إدارة المؤسسة ليست مجرد منصب إداري أو صلاحيات تُمنح لشخص ما، بل هي مسؤولية أخلاقية ومهنية تتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة والإخلاص. فالمؤسسة، أياً كان حجمها أو مجال عملها، تقوم في جوهرها على الثقة؛ ثقة الموظفين في إدارتهم، وثقة الجمهور في خدماتها، وثقة المجتمع في دورها. ومن دون هذه الثقة، تفقد المؤسسة روحها حتى وإن حققت أرقاماً جيدة في تقاريرها السنوية. لذلك فهي تحتاج إلى قائد مُخلِص يؤمن برسالتها، لا إلى عقل انتهازي يبحث عن مصلحة شخصية سريعة. قد يمتلك بعض المديرين ذكاءً حاداً وقدرة عالية على التخطيط والتحليل، لكن الذكاء وحده لا يكفي لبناء مؤسسة مستقرة ومستدامة. فالعقل إذا لم يُوجَّه بقيم واضحة قد يتحول إلى أداة لتحقيق مكاسب ضيقة على حساب الفريق أو سمعة المؤسسة. وقد أشار المفكر الإداري روبرت غرينليف في حديثه عن مفهوم القيادة الخادمة إلى أن القائد الحقيقي هو من يضع خدمة الآخرين وتمكينهم في مقدمة أولوياته، لا من يستغل سلطته لتعزيز نفوذه. فالإخلاص هنا ليس مجرد صفة أخلاقية، بل هو عنصر أساسي في نجاح القيادة. إن القائد المخلص يتعامل مع موارد المؤسسة وكأنها أمانة بين يديه، فيحافظ عليها ويستثمرها بحكمة. وهو يدرك أن نجاحه الشخصي مرتبط بنجاح فريقه، فيحرص على تحفيزهم وتقدير جهودهم، ويعترف بأخطائه قبل أن يُحمّل الآخرين المسؤولية. وعلى النقيض من ذلك، فإن القيادة غير المخلصة تُنتج بيئة يسودها الخوف والمحاباة وضعف الانتماء، ما يؤدي إلى تراجع الأداء وارتفاع معدل الاستقالات وفقدان الكفاءات.
وعلى النقيض من القيادة غير المخلصة، فقد أثبتت تجارب مؤسسات عالمية مثل تويوتا، ومايكروسوفت، وأبل: أن ترسيخ ثقافة النزاهة والعمل الجماعي والإحساس بالمسؤولية المشتركة، والاعتماد على الجدارة والكفاءة الحقيقية للموظفين، كان من أهم أسباب استدامة نجاحها. فالنجاح طويل الأمد لا يُبنى على قرارات ذكية فقط، بل على منظومة قيم تحكم تلك القرارات. وعندما يشعر الموظف بأن قيادته عادلة وصادقة، فإنه يعمل بروح مختلفة، ويصبح جزءاً من رسالة أكبر من مجرد وظيفة. ومن صور الخلل التي تكشف غياب هذا الإخلاص، البذخ المادي في التلميع الإعلامي والإسراف في المناسبات والاحتفالات والهدايا، حين تتحول موارد المؤسسة إلى أدوات لتضخيم صورة المدير وتعزيز حضوره الشخصي بدل توجيهها نحو تطوير العمل وتحسين أوضاع الموظفين. كما يظهر التلاعب في الترقيات وهضم حقوق المستحقين، بحيث تصبح معايير الترقيات والتكليف بالمناصب قائمة على المحسوبية والتملق وربما التغنج، بينما تُهمَّش الكفاءات الحقيقية، وتُستبعد الجدارة الفعلية. فتنفق الميزانيات بسخاء على حملات دعائية وصور بروتوكولية وفعاليات استعراضية، بينما تُؤجَّل مستحقات الموظفين تحت ذرائع واهية، ويظل الفريق عالقًا بين وعود كاذبة ومماطلات متكررة، وأحياناً إنكار وتعنت يضاعف شعورهم بالظلم. إن هذا التنا قض الصارخ بين مظاهر البذخ الخارجي وضيق العدالة الداخلية لا يسيء فقط إلى معنويات الفريق، بل يكشف خللًا عميقًا في منظومة القيم؛ إذ لا يمكن لمؤسسة أن تحافظ على سمعتها بصورة مصطنعة بينما تتآكل ثقتها من الداخل.
إن المؤسسات اليوم تواجه تحديات معقدة تتطلب عقولاً واعية، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى ضمائر لا تُباع ولا تُشترى. فالقائد المخلص يجمع بين الرؤية الواضحة والنية الصادقة، ويجعل من القيم بوصلة لقراراته. أما من يدير بعقلية “مخ لص”، فإنه لا يرى في المؤسسة سوى فرصة للمنفعة، يفتش عن الثغرات ليستغلها، ويحوّل الصلاحيات إلى أدوات لمكاسب شخصية، غير مكترث بما يخلّفه من خسائر معنوية ومادية. مثل هذا الذكاء المنفلت قد يحقق أرباحاً عابرة، لكنه يزرع الشك ويفكك الثقة ويستنزف الكفاءات حتى تنهار المؤسسة من الداخل. لذلك فالمؤسسة لا تحتاج إلى دهاء انتهازي، بل إلى إخلاص صادق؛ لا تحتاج إلى مخ لص يقتات على مواردها، بل إلى قائد أمين يحفظ الأمانة ويصون الرسالة. فالإخلاص ليس خياراً تجميلياً في الإدارة، بل هو خط الدفاع الأول عن بقاء المؤسسة وكرامتها وسمعتها.
وفي ختام هذا المقال، أستحضر ما كتبته سابقاً في مقال «استراتيجية التصفيق للحمار الميت»، حين سألني أحد الأصدقاء: ما الفرق بين «نظرية الحصان الميت» و«استراتيجية التصفيق للحمار الميت»؟ وكأنه يلمّح إلى أن الفكرة واحدة ولم آتِ بجديد. فأجبته بأن الفرق جوهري لمن يقرأ بتمعّن؛ فـ«نظرية الحصان الميت» تتحدث عن فكرة قد تكون في أصلها صائبة أو واعدة، لكن الخلل يقع في سوء التنفيذ أو ضعف الإدارة، فيستمر البعض في التمسك بها رغم تعثرها. أما «استراتيجية الحمار الميت» فالمشكلة فيها أعمق؛ إذ إن أصل الفكرة نفسها خاطئ منذ البداية، ومع ذلك يستمر التصفيق لها، والترويج لها، والدفاع عنها، وكأن الإصرار قادر على إحياء ما لم يكن حياً أصلاً. قال صديقي مازحاً: إذن أنت تطالب ببراءة اختراع للنظرية! فقلت له إن الأمر لا يتعلق ببراءة اختراع ولا باختراع براءة، بل بوعي إداري وأخلاقي يميز بين خطأ يمكن إصلاحه، وخطأ يجب الاعتراف به ودفنه من البداية. ما يهمني ليس تسجيل الفكرة باسمي، بل دفن الحمار الميت قبل أن نهدر مزيداً من الوقت والموارد في التصفيق له. وفي أسوأ الأحوال، فإن ركوب حصان ميت نتيجة سوء إدارة يظل أهون من التصفيق لحمار حيّ في الوهم وقد مات في الحقيقة؛ لأن الأول يدعوك إلى تصحيح المسار، أما الثاني فيغريك بإنكار الواقع. وهنا يتقاطع هذا المعنى مع جوهر حديثنا عن الإخلاص في الإدارة: فالقائد الأمين لا يصفق لوهم، ولا يجامل فكرة فاشلة، بل يمتلك شجاعة الاعتراف، ويختار دفن الخطأ على تلميعه، حفاظاً على المؤسسة وكرامتها ومستقبلها.




