المقالات

بين الصراحة والمسؤولية… كيف واجه نواف بن سعد سقوط الهلال؟

في الأندية الكبيرة، لا تكون الخسارة مجرد نتيجة على لوحة، بل لحظة تكشف بنية الخطاب داخل النادي: هل يهرب من الحقيقة؟ هل يوزّع المسؤولية على الطقس والحكم والڤار والظروف؟ أم يواجه جمهوره بقدر من الصراحة يليق باسم الكيان؟ لهذا بدا تصريح رئيس الهلال الأمير نواف بن سعد بعد الخروج أمام السد في دوري أبطال النخبة الآسيوية لافتًا؛ لأنه لم يذهب إلى المنطقة الأسهل، منطقة الأعذار، بل دخل مباشرة إلى صلب الأزمة: “قدمنا واحدة من أسوأ مبارياتنا”، و”لا أعذار”، و”الجميع يتحمل المسؤولية”.

هذا الجوهر ظهر بوضوح في التغطيات المباشرة للتصريح بعد المباراة، التي أكدت اعترافه بسوء المستوى ورفضه تعليق الإخفاق على مبررات جاهزة، مع تأكيده أن الجمهور يملك كامل الحق في النقد.

أول ما يلفت في هذا التصريح أن سموه نقل النقاش من الهروب إلى الاعتراف. وقد جرت العادة في بعض من الإدارات، بعد الخسائر القارية القاسية، تلجأ إلى تخفيف الصدمة بتوزيع التبريرات على ظروف جانبية: ضغط مباريات، غيابات، تحكيم، سوء توفيق، أو حتى “تفاصيل صغيرة”. لكن نواف بن سعد تعمّد أن يغلق هذه الأبواب مبكرًا. هذه ليست مجرد جملة انفعالية، بل اختيار لغوي وإداري معًا.
عندما يقول رئيس النادي: لا أعذار، فهو يرسل رسالتين في وقت واحد: الأولى إلى الجمهور، ومفادها أن الإدارة لا تستغفل وعيه؛ والثانية إلى الداخل، ومفادها أن زمن التخفيف البلاغي يجب أن يتوقف. وهذا في تقديري الشخصي من أكثر ما يُحسب للتصريح، لأنه أعاد ترتيب العلاقة بين الحقيقة والخطاب.

الاعتراف بسوء المستوى هنا لا يعني فقط توصيف مباراة سيئة؛ بل يعني ضمنيًا نسف الرواية التجميلية التي تظهر عادة بعد الإخفاقات. فالهلال لم يخرج بعد أداء بطولي وخسارة عابرة، بل خرج من مباراة وصفها رئيسه نفسه بأنها من الأسوأ. وفي هذا الاعتراف قيمة معنوية مهمة: أن النادي الكبير يجب أن يكون كبيرًا أيضًا في مواجهة صورته حين تتشقق.
الإنكار قد يحمي المسؤول لحظات، لكنه يضاعف غضب الجمهور. أما الاعتراف، فهو مؤلم في لحظته، لكنه أكثر احترامًا للعقل الأزرق.

من وجهك نظر خاصة، يمكن القول إن تصريح نواف بن سعد قام على ثلاث ركائز خطابية واضحة.

نافذة خاصة إلى أرشيف الكاتب


عبدالله أحمد الزهراني

الركيزة الأولى: الصدق الصادم. لم يستخدم لغة دبلوماسية من نوع “لم نوفق” أو “لم نظهر بالشكل المأمول”، بل استخدم توصيفًا أقسى وأوضح. هذه الصراحة ليست شائعة في الخطاب الرياضي العربي، الذي يميل أحيانًا إلى المواربة حفاظًا على التوازنات. ولذلك بدا التصريح أقرب إلى الاعتراف المؤسسي منه إلى الرد الإعلامي العابر.

الركيزة الثانية: تعميم المسؤولية دون التهرب منها شخصيًا. فهو لم يقل إن اللاعبين وحدهم السبب، ولم يحصر الأزمة في الجهاز الفني، ولم يختبئ خلف عبارة “المدرب يتحمل”رغم شبه إحماع المدرج الهلالي على ذلك. ولكن قال بوضوح إن الجميع يتحمل، وبدأ بنفسه. هنا تظهر قيمة الجملة: أولهم أنا كرئيس النادي. هذه ليست مجاملة لغوية، بل محاولة لتثبيت مبدأ القيادة: أن المسؤول الأعلى لا يوزع اللوم من منصة مرتفعة، بل يدخل في دائرة المحاسبة أولًا. وهذا مهم جدًا؛ لأن الجماهير عادة لا تثور فقط من الخسارة، بل من شعورها بأن أحدًا لا يعترف بأنه مسؤول عنها.

الركيزة الثالثة: الفصل بين حق الجمهور وواجب المؤسسة. نواف بن سعد قال بوضوح إن للجمهور حق النقد، لكنه في المقابل رفض أن يحوّل الإعلام إلى منصة تقييم تفصيلي لعمل داخلي أو إعلان قرارات مرتجلة. هذا التوازن مهم؛ لأنه يمنع الفوضى ولا يصادر الغضب. هو يقول عمليًا: “من حقكم أن تغضبوا، ومن واجبي أن أتعامل مؤسسيًا لا انفعاليًا”. وهذه نقطة ذكية في التصريح؛ لأنه لم يصطدم مع الجمهور، ولم يَعِدْه أيضًا بقرارات شعبوية تحت ضغط اللحظة.

اعتراف الرئيس أراه خطوة صحية جدًا في ثقافة الإدارة، لكن بشرط واحد: ألا يبقى اعترافًا لغويًا فقط. لأن الصراحة إن لم تُترجم إلى مراجعة حقيقية، فإنها تتحول بعد أيام إلى مجرد “تصريح جميل”. الاعتراف في عالم الرياضة بداية الطريق. قيمته الفعلية تظهر عندما ينتج عنه سؤال داخلي واضح: إذا كانت هذه من أسوأ مباريات الهلال، فلماذا حدث ذلك؟ هل الخلل في الاختيارات الفنية؟ في الجاهزية الذهنية؟ في شخصية الفريق؟ في التعاقدات الشتوية؟ في العلاقة بين الأسماء الكبيرة والوظيفة التكتيكية؟ في إدارة المباراة؟ في جودة الاستجابة تحت الضغط؟ هنا يبدأ العمل الحقيقي، لا عند الميكروفون بل خلف الأبواب.

كما أن رفض الأعذار مهم جدًا لأنه يحمي النادي من مرض التراخي الذهني. الأندية التي تتوسع في التبرير تخلق بيئة مريحة للفشل؛ إذ يصبح كل إخفاق قابلًا للتسويق: حكم، إرهاق، أرضية، ضغط. الرطوبة. اللعب خارج الأرض أما حين تسقط هذه المظلات، فإن كل عنصر داخل المنظومة يُجبر على مواجهة نفسه. اللاعب يعرف أن اسمه لن يُحمى بالتبرير، والمدرب يعرف أن مهنته ستُقاس بما قدّمه لا بما قاله، والإدارة تعرف أن الجمهور لن يقتنع بالعبارات الإنشائية. هذه ثقافة صحية، بل هي شرط أساسي لأي عودة قوية.

ومع ذلك، هناك ملاحظة مهمة: عبارة “الجميع يتحمل المسؤولية” رغم عدالتها الظاهرية، قد تفقد قيمتها إن لم تُفكك لاحقًا داخل النادي. لأن “الجميع” في بعض الأحيان كلمة واسعة قد تريح الجميع أيضًا.

المسؤولية المؤسسية لا تعني المساواة التامة بين كل الأطراف، بل تعني أن كل طرف يُحاسب بقدر أثره وقراره. الإدارة ليست كالمدرب، والمدرب ليس كلاعب ارتكب خطأ فرديًا، واللاعب ليس كمن خطط للموسم كله. لذلك فالتصريح كان موفقًا في امتصاص الصدمة أخلاقيًا، لكنه يحتاج لاحقًا إلى ترجمة إدارية دقيقة تُحدد أين بدأت العلّة، ومن يملك قرار تصحيحها خاصة وأن تذبذب المستوى تم رصده من بداية الموسم.

كما أن هذا النوع من الاعترافات يملك أثرًا مزدوجًا. على الجمهور، يخفف جزئيًا من شعور الاستفزاز، لأن المشجع يغضب أكثر حين يشعر أن الحقيقة تُخفى عنه. وعلى الفريق، يضع الجميع أمام مرآة قاسية. لكن إن لم يتبع ذلك تحرك واضح، فقد ينقلب الأثر إلى مزيد من الإحباط. ولهذا فإن جمال التصريح لا يكفي وحده؛ الأهم هو ما بعده.

خلاصة القول: تصريح نواف بن سعد كان واحدًا من أكثر ردود الفعل نضجًا في الملاعب العربية بعد خسارة قارية؛ لأنه اختار الاعتراف بدل التجميل، وتحمل المسؤولية بدل تعليق الفشل على المشجب المعتاد، واحترم حق الجمهور في الغضب دون أن يسقط في فوضى القرارات الانفعالية. وهذه في ذاتها نقطة قوة. لكن القوة الأكبر ستكون في تحويل هذا الخطاب إلى فعل: مراجعة، محاسبة، تصحيح، وبناء رد فعل يليق بالهلال كاسم وتاريخ. لأن الاعتراف بالشجاعة يحفظ الهيبة، أما إصلاح الخلل فهو وحده من يعيدها.

خاامًا :
الاعتراف بسوء المستوى أول درجات القوة. وعدم تبرير الخسارة هو احترام لعقل الجمهور. أما تحميل الجميع المسؤولية، فهو كلام كبير لا تكتمل قيمته إلا حين يتحول إلى قرارات كبيرة، فالزعيم اليوم لا يحتاج فقط إلى خطاب صادق، بل إلى صدقٍ يُرى في الملعب قبل أن يُسمع في التصريحات.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى