لم تكن خسار المنتخب السعودي في اللقاء الودي الأخيرة مجرد نتيجة عابرة يمكن تجاوزها في سياق التحضير، بل بدت انعكاساً طبيعياً لمسار فني متذبذب، يكشف عن خلل أعمق من حدود مباراة أو معسكر. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بمدرب أو أسلوب لعب، بل ببنية المنظومة التي تُنتج اللاعب، وتحدد مدى جاهزيته حين يمثل المنتخب. لقد أصبح من السهل إرجاع التراجع إلى عوامل آنية، كاختيارات فنية أو غياب بعض الأسماء، غير أن القراءة الأكثر عمقاً تشير إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في تراجع حضور اللاعب السعودي داخل منافسات الدوري، وهو ما ينعكس مباشرة على مستواه عند الاستدعاء الدولي. فاللاعب الذي لا يشارك بانتظام، ولا يعيش ضغط المباريات وتفاصيلها، لا يمكن أن يُنتظر منه أن يقدم أداءً مقنعاً على مستوى المنتخب، مهما بلغت إمكاناته.
وفي قلب هذه الإشكالية يبرز ملف تضخم عدد اللاعبين الأجانب، حيث أدى السماح بتسجيل ما يصل إلى عشرة لاعبين أجانب في الفريق الواحد إلى تقليص فرص مشاركة اللاعب المحلي بشكل ملحوظ. هذه الخطوة التي كان يُفترض أن ترفع جودة المنافسة، تحولت في كثير من الأحيان إلى عبء فني، ليس فقط بسبب العدد الكبير، بل بسبب غياب التركيز على جودة الاختيار. إذ اتجهت بعض الأندية إلى استثمار العدد المتاح أكثر من سعيها لاستقطاب عناصر نوعية قادرة على صنع الفارق، فامتلأت القوائم بلاعبين أجانب بمستويات متوسطة، في الوقت الذي تراجع فيه حضور اللاعب السعودي داخل التشكيلة الأساسية. هذا الواقع أفرز فجوة واضحة بين قوة الدوري من حيث الأسماء والإنفاق، وبين مستوى المنتخب من حيث الأداء والنتائج، وهو ما يؤكد أن قوة المنافسة المحلية لا تنعكس تلقائياً على قوة المنتخب، إذا لم تُدار بعقلية توازن بين تطوير الدوري وحماية المنتج الوطني.
وقد سبق أن أشرنا في مقالات سابقة إلى تجربة منتخب إنجلترا لكرة القدم، الذي ينتمي إلى أحد أقوى الدوريات في العالم ممثلاً في الدوري الإنجليزي الممتاز، ومع ذلك ظل لعقود يعاني من غياب الإنجازات الكبرى وتذبذب الأداء، قبل أن تبدأ محاولات تصحيح المسار عبر إعادة الاعتبار للاعب المحلي. إن معالجة هذا الخلل لا تعني إقصاء اللاعب الأجنبي، بل إعادة ضبط حضوره بما يخدم الهدفين معاً: قوة الدوري، وبناء منتخب قادر على المنافسة. ومن هنا تبرز أهمية تقليص عدد اللاعبين الأجانب إلى سبعة لاعبين فقط لكل فريق، مع الإبقاء على السقف المالي ذاته، بحيث تتجه الأندية نحو التركيز على الجودة بدل الكمية، واستقطاب لاعبين مؤثرين قادرين على إضافة قيمة حقيقية، بدل توزيع الموارد على عدد كبير بمستويات متفاوتة. وفي المقابل، فإن تقليص العدد سيفتح المجال لمشاركة عدد أكبر من اللاعبين السعوديين بشكل أساسي، بما يعزز جاهزيتهم الفنية والبدنية، ويوسع قاعدة الاختيار أمام الأجهزة الفنية للمنتخب. كما أن من الضروري الالتفات إلى مركز حراسة المرمى بوصفه أحد أكثر المراكز حساسية، حيث إن السماح بأكثر من حارس أجنبي في الفريق الواحد يحد بشكل كبير من فرص الحراس السعوديين في المشاركة والتطور، وهو ما قد ينعكس سلباً على مستقبل هذا المركز في المنتخب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قصر التعاقد على حارس أجنبي واحد فقط لكل فريق، بما يضمن وجود حارس سعودي يشارك ويتدرج في التطور، ويحافظ على استمرارية هذا المركز الحيوي.
إن التراجع عن المبالغة في عدد اللاعبين الأجانب لم يعد مجرد خيار فني، بل ضرورة استراتيجية، شريطة أن يتم ذلك ضمن آليات واضحة تنظم عملية الاستقطاب، وتحدد معايير الجودة، وتضبط السقوف المالية بما يضمن بقاء الدوري قوياً وتنافسياً، دون أن يكون ذلك على حساب اللاعب السعودي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تقليص العدد بحد ذاته، بل في إدارة هذا التقليص بطريقة ذكية تحوّل اللاعب الأجنبي إلى عنصر فارق، وتمنح اللاعب المحلي المساحة التي يستحقها للنمو والمشاركة. وإذا ما تم تطبيق هذا التوجه بوعي وتخطيط، فإننا لا نكون أمام مجرد قرار صحيح، بل أمام قرار تاريخي يعيد رسم ملامح الكرة السعودية، ويؤسس لمنتخب أكثر جاهزية وقدرة على المنافسة. فالمنتخبات لا تُبنى في المعسكرات القصيرة، بل تُصنع على مدار موسم كامل داخل أندية تمنح لاعبيها الفرصة، وتضع التوازن بين الحاضر والمستقبل في صميم قراراتها.


