
الرياض –
احتضنت المدرسة الثقافية ندوةً ثقافية بعنوان «جماليات النقد القديم» قدّمها د. سعود اليوسف، ضمن برامجها المعرفية الرامية إلى إحياء الأسئلة الكبرى في التراث الأدبي، وربطها بوعي القارئ المعاصر.
وجاءت الأمسية في سياقٍ علمي رصين، استعرض فيه اليوسف ملامح النظر النقدي عند الأوائل، متوقفًا عند طبيعة الخطاب النقدي القديم بوصفه خطابًا ذا لغةٍ مبدعة، تتأمل نفسها وتشتغل بأدواتها قبل أن تصدر أحكامها. وأوضح أن النقاد تعاملوا مع الشعر بوصفه صناعةً لها أدواتها ومصطلحاتها وحقولها الدلالية، مستشهدًا بنماذج من تراث الجاحظ، وابن سلام الجمحي، وابن طباطبا العلوي، وأبي هلال العسكري، وغيرهم.
وتناول المحاضر مفهوم «الصناعة» في النقد القديم، وكيف استعار النقاد معجم الحِرَف والمهن، فشبّهوا الشاعر بالصائغ والحائك والبنّاء، وجعلوا للنص معايير جودة تُقاس كما تُقاس المعادن والجواهر. كما تطرق إلى الحقول الدلالية التي هيمنت على الخطاب النقدي، مثل حقل الطعام، وحقل المعادن والجواهر، وحقل البناء والنسيج، مبينًا كيف تكشف هذه الاستعارات عن ذائقةٍ ثقافيةٍ عميقة ترى في الشعر صنعةً دقيقة تستحق الفحص والتمحيص.
وفي محورٍ آخر، توقف اليوسف عند الألقاب النقدية التي أطلقها القدماء على الشعراء، مبينًا أنها تمثل أحكامًا نقدية مكثفة تحمل تصورًا معياريًا للجودة والتميز. كما أضاء جانب «الروافد النصية» في الخطاب النقدي، حيث يحضر القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر السابق بوصفها مصادر سلطة معرفية وجمالية تعزز الحجة وتثري الخطاب.
وشهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا من الحضور، حيث أدار المحاور عبدالعزيز آل الشيخ المداخلات؛ ومنها ما دار حول إمكان استثمار منجز النقد القديم في قراءة النصوص الحديثة، ومدى قابلية مصطلحاته للتجدد في سياق الدراسات المعاصرة. وأكد اليوسف في ختام حديثه أن العودة إلى التراث النقدي هي استعادة لأدوات فهمٍ عميقة يمكن أن تُسهم في ترسيخ ذائقة نقدية أكثر وعيًا واتزانًا.
وختم الأمسية بقصيدةٍ مؤثرة من نظمه عن والدته (زوجة أبيه) التي ربّته بعد وفاة والدته – رحمها الله – في لفتة إنسانية أضفت على اللقاء بُعدًا وجدانيًا لامس مشاعر الحضور.
وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة فعاليات ثقافية تنظمها المدرسة الثقافية في الرياض، سعيًا إلى إثراء المشهد الأدبي، وتعزيز الحوار بين التراث والحداثة في فضاءٍ معرفي مفتوح.







