المقالات

هل مجتبى خامنئي… غورباتشوف إيران أم وريث نظام مأزوم؟

يشكّل تنصيب مجتبى خامنئي مرشداً لإيران لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ يأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية ضد النظام الإيراني أسبوعها الثاني، ما يضع مستقبل القيادة الجديدة والنظام نفسه أمام اختبارات غير مسبوقة. فالسؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بهوية المرشد الجديد، بل بمصير النظام الإيراني في ظل حرب مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
حرب تُعيد تشكيل المشهد
اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أدخل البلاد في مرحلة استثنائية. فالحرب لا تفرض ضغوطاً عسكرية وأمنية فحسب، بل تضيف عاملاً جديداً إلى معادلة الصراع الداخلي في إيران.
فمن جهة، قد تمنح الحرب القيادة الجديدة فرصة لتعزيز خطاب التعبئة الوطنية وتوحيد مراكز القوى خلفها في مواجهة عدو خارجي. لكن من جهة أخرى، فإن استمرار الضربات العسكرية وتفاقم الخسائر قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الداخلية ويزيد من هشاشة النظام، خصوصاً إذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل أو أدت إلى ضربات استراتيجية تمس بنية الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وفي هذا السياق، لم يكتفِ النظام الإيراني بردود عسكرية مباشرة، بل سعى منذ الأيام الأولى للحرب إلى توسيع نطاقها الإقليمي. فقد اتجه إلى استهداف دول الخليج العربي، سواء بشكل مباشر أو عبر أدواته الإقليمية، في محاولة واضحة للتأثير على أسواق الطاقة ورفع كلفة الحرب على المجتمع الدولي.
وتقوم هذه الاستراتيجية على إحداث اضطراب في إمدادات النفط والغاز وتهديد الممرات الحيوية في المنطقة، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. ويبدو أن حسابات طهران تقوم على أن اتساع تداعيات الحرب الاقتصادية سيزيد الضغوط الدولية على الولايات المتحدة وحلفائها لاحتواء الصراع أو وقفه.
أزمة الشرعية
في ظل هذه الظروف، تبرز إشكالية الشرعية كأحد أبرز التحديات التي قد تواجه مجتبى خامنئي. فمن الناحية السياسية، لا يبدو أن هناك توافقاً كاملاً داخل التيارات المختلفة للنظام حول شخصه. فبعض الأجنحة، خصوصاً داخل التيار الإصلاحي والمعتدل، تنظر إلى صعوده بعين الريبة، خاصة في ظل اتهامات قديمة بدوره في التأثير على مسار الانتخابات الرئاسية وإقصاء شخصيات إصلاحية.
أما على المستوى الشعبي، فإن صورته ترتبط لدى قطاع من الإيرانيين بامتداد حكم والده الذي واجه خلال السنوات الماضية موجات احتجاج واسعة طالبت بإسقاط النظام. وقد ظهرت خلال بعض تلك الاحتجاجات شعارات معارضة لدوره السياسي، ما يعكس محدودية القبول الشعبي الذي قد يتمتع به.
وتبرز أيضاً مسألة الشرعية الدينية، إذ لا يتمتع مجتبى خامنئي بالمكانة الفقهية العليا التي تُعد تقليدياً من عناصر الشرعية المعنوية لمنصب المرشد. كما أنه لم يحصل على درجة الاجتهاد التي تمنحه وزناً دينياً واضحاً داخل الحوزات العلمية في قم أو النجف، الأمر الذي يجعل تنصيبه أقرب إلى قرار سياسي تدعمه موازين القوة داخل النظام أكثر من كونه نتاج توافق ديني واسع.
الحرس الثوري وميلاد سلطة جديدة
في المقابل، يُنظر إلى الحرس الثوري باعتباره القوة الأكثر تأثيراً في معادلة السلطة داخل إيران. فهذه المؤسسة العسكرية التي توسع نفوذها خلال العقود الماضية في السياسة والاقتصاد والأمن تبدو الأكثر دعماً لشخصية قريبة منها وقادرة على الحفاظ على توازنات القوة القائمة.
وبناءً على ذلك، قد يشهد النظام الإيراني تحولاً تدريجياً من نموذج “الديكتاتورية الدينية ذات الذراع العسكرية” إلى نموذج أقرب إلى “الديكتاتورية العسكرية التي تستند إلى غطاء ديني”. بمعنى أن مركز الثقل قد ينتقل أكثر نحو المؤسسة الأمنية والعسكرية التي باتت اللاعب الأكثر تنظيماً وتأثيراً في بنية الحكم.
كما أن ظروف الحرب الحالية قد تعزز هذا التحول، إذ تميل الأنظمة التي تواجه تهديدات عسكرية مباشرة إلى تركيز السلطة في يد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما قد يمنح الحرس الثوري دوراً أكبر في إدارة الدولة خلال المرحلة المقبلة.
عقدة التوريث
القضية الأكثر حساسية في هذا التحول هي مسألة توريث السلطة. فتنصيب مجتبى خامنئي يُعد سابقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لأنه يرسخ انتقال القيادة من الأب إلى الابن، وهو ما يتعارض مع السردية الفكرية التي اعتمد عليها النظام منذ تأسيسه في رفض الحكم الوراثي.
ففي الوعي الشيعي السياسي، ارتبطت معارضة الحسين بن علي لخلافة يزيد بن معاوية بفكرة رفض توريث السلطة. وقد تحولت واقعة كربلاء عبر القرون إلى رمز ديني وسياسي يُستحضر للدلالة على رفض تحويل الحكم إلى ملكية وراثية.
ومن هنا، فإن انتقال القيادة داخل الجمهورية الإسلامية بهذه الصيغة قد يضع النظام أمام تناقض فكري عميق بين الخطاب العقائدي الذي تبناه لعقود والممارسة السياسية الجديدة.
صراع داخلي مؤجل
تنصيب مجتبى خامنئي في ظل الحرب قد يؤدي إلى تأجيل الانفجارات الداخلية داخل النظام والمجتمع الإيراني. ففي أوقات الصراع العسكري، تتراجع قدرة الشارع على الاحتجاج بسبب المخاطر الأمنية، كما يتم تصوير أي معارضة داخلية باعتبارها اصطفافاً مع العدو الخارجي.
لكن هذا التأجيل لا يعني اختفاء التوترات، بل قد يؤدي إلى تراكمها. فمع استمرار الضغوط الاقتصادية والخسائر الناتجة عن الحرب، قد تتفاقم حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي داخل البلاد.
وفي حال توقفت الحرب أو تراجعت حدتها دون تحقيق انتصار واضح للنظام، فقد يجد نفسه أمام موجة غضب داخلي أكبر، ليس فقط بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية، بل أيضاً بسبب مسألة توريث القيادة.
بين التشدد والتغيير
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التشدد الأمني في الداخل، خصوصاً إذا استندت القيادة الجديدة إلى تحالف قوي مع المؤسسات العسكرية والاستخباراتية. فالنخب المرتبطة بهذه المؤسسات تميل عادة إلى تبني مقاربة تقوم على الحسم والقوة أكثر من الإصلاح أو الانفتاح السياسي.
كما أن الحرب الحالية قد تدفع النظام إلى تبني استراتيجية تقوم على توسيع نطاق الصراع الإقليمي ورفع كلفة المواجهة على خصومه، سواء عبر أدواته في المنطقة أو عبر التأثير على ممرات الطاقة والتجارة الدولية.
سيناريوهات المستقبل
في ظل الحرب الدائرة، تبدو السيناريوهات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
السيناريو الأول يتمثل في تمكن النظام من الصمود وإعادة ترتيب صفوفه، مستفيداً من تعبئة الحرب ومن تحالف أقوى بين القيادة السياسية والحرس الثوري، ما يعني استمرار النظام ولكن بقبضة أمنية أكثر تشدداً.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في أن تؤدي الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية إلى إضعاف النظام تدريجياً، بما قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية أو صراعات بين مراكز القوى داخل السلطة نفسها.
ويبقى السيناريو الثالث الأكثر دراماتيكية، وهو أن تتطور الحرب إلى مستوى يؤدي إلى انهيار النظام أو تفكك بنيته السياسية، خصوصاً إذا ترافقت الضربات الخارجية مع انتفاضات داخلية واسعة.
المرشد الأخير؟
في ضوء هذه التعقيدات، يطرح بعض المراقبين استنتاجاً أكثر جذرية: أن يكون مجتبى خامنئي هو المرشد الثالث والأخير في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فتنصيبه جاء في لحظة تتقاطع فيها أزمات داخلية عميقة مع حرب خارجية واسعة، ما يجعل مصير النظام نفسه موضع اختبار تاريخي.
وتستحضر هذه اللحظة في أذهان كثيرين تجربة الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، الذي تولى قيادة الاتحاد السوفيتي في مرحلة أزمة عميقة، قبل أن تنتهي تلك التجربة بتفكك الدولة نفسها. صحيح أن الظروف التاريخية والسياسية بين الحالتين مختلفة، لكن التشابه يكمن في أن القيادة الجديدة قد تجد نفسها أمام منظومة مثقلة بالأزمات البنيوية والضغوط الخارجية المتزايدة.
فإذا استمرت الحرب وتفاقمت الضغوط الاقتصادية والسياسية، فقد يصبح مصير المرشد الجديد مرتبطاً بمصير النظام ذاته. وعندها قد لا يكون السؤال من سيخلفه في منصب المرشد، بل ما إذا كان هذا المنصب سيبقى قائماً أصلاً في شكل النظام السياسي الإيراني في المستقبل.
بهذا المعنى، قد لا يُذكر مجتبى خامنئي في التاريخ بوصفه مجرد مرشد ثالث للجمهورية الإسلامية، بل بوصفه الشخصية التي تزامنت قيادتها مع المرحلة التي حددت نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة في تاريخ إيران.

حسن راضي الأحوازي

مدير المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الإستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى