تصريح معالي وزير الشؤون الإسلامية، الشيخ الدكتور عبداللطيف آل الشيخ، لصحيفة “إندبندنت عربية” جاء في توقيت حساس ليحرّك مياه العمل الخيري الراكدة، حين أعلن بوضوح لا يقبل التأويل: “لا أثق بالجمعيات الخيرية، ولم ولن أتبرع لها بريال”. هذا الموقف القاطع فتح الباب أمام نقاش مجتمعي واسع، وأعاد إلى السطح أسئلة جوهرية حول واقع القطاع الثالث ومستقبله في المملكة.
من يقرأ ويفهم سياق حديث الوزير يدرك أنه ينطلق من غيرة وطنية، ومن إرث ثقيل عانته المملكة في عقود مضت؛ يوم كانت بعض أموال التبرعات تُصرف خارج الأطر النظامية في ظل ضعف أدوات الرقابة الصارمة. ومن هذا المنطلق، فإن التحوط والحذر ليسا موقفاً شخصياً بقدر ما هما امتداد لمرحلة كانت فيها الدولة تعمل على تجفيف منابع أي استغلال للمنابر أو الممارسات الدعوية والخيرية.
لكن المملكة اليوم تعيش واقعاً مختلفاً تماماً تحت مظلة رؤية 2030؛ واقعاً تجاوز مرحلة الاجتهادات الفردية إلى مرحلة “المأسسة الشاملة”. فالثقة في القطاع غير الربحي لم تعد رهينة الانطباعات، بل أصبحت محكومة بمنظومة رقابية ورقمية متقدمة تُعد من الأقوى على مستوى المنطقة.
يقف “المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي” اليوم بوصفه صمام الأمان التنظيمي، مدعوماً بشراكة رقابية محكمة مع الجهات المعنية بالحوكمة ومكافحة الفساد، والبنك المركزي السعودي (ساما). هذه المنظومة تضمن أن كل ريال يخرج من جيب المتبرع يمر عبر مسارات رقمية دقيقة، وأن الجمعيات المرخصة تخضع لتدقيق محاسبي وقانوني صارم لا يترك مجالاً للتجاوز. ومن هنا، فإن البيئة النظامية الصلبة هي المصدر الأول لطمأنينة المجتمع وثقته.
إن حماية الوعي العام تتطلب الالتفاف حول هذه المكتسبات، خصوصاً وأن القيادة وضعت مستهدفاً طموحاً لرفع مساهمة القطاع غير الربحي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن أجل تحقيق ذلك، يصبح الالتزام بالمنصات السيادية المعتمدة — مثل “إحسان” و”شفاء” و”فرجت” — خياراً وطنياً مسؤولاً، إلى جانب دعم الجمعيات المرخصة التي تعمل تحت رقابة الدولة. وفي المقابل، يجب إغلاق الباب أمام أي ممارسات عفوية كالتبرع النقدي المباشر للمتسولين، وهو السلوك الذي حاربته وزارة الداخلية طويلاً عبر أنظمتها الحازمة.
في نهاية المطاف، فإن المكاشفات والنقاشات الصريحة تسهم في تطوير العمل الخيري وتعزيز جودته. واليقين اليوم هو أن مؤسساتنا الخيرية المرخصة تعمل تحت عين الرقيب، وفي ظل أنظمة واضحة وجهات يقظة. الثقة في القطاع الثالث لم تعد قائمة على النوايا أو العواطف، بل على حوكمة رقمية متينة وضعتها الدولة لتضمن أن يبقى العطاء الخيري آمناً، مستداماً، وموجهاً لبناء الوطن والمواطن .
0






