المقالات

تعويضات إيران… شرط لن يتحقق

بين حرب متعددة الجبهات وأوراق ضغط تبدأ بحزب الله ولا تنتهي عند مضيق هرمز، ترفع طهران سقف المطالب إلى حد يدرك الجميع أنه غير منطقي وغير قابل للتحقق.
كيف يمكن لدولة أن تطالب بتعويضات عن حرب ساهمت سياساتها في إشعالها؟!!!
السؤال ليس بلاغيًا فحسب، بل أصبح جزءًا من النقاش السياسي بعد أن ربطت طهران إنهاء الحرب بالحصول على تعويضات وضمانات تمنع تكرارها، في معادلة يدرك الجميع أنها تضع شرطًا يكاد يكون مستحيل التحقيق.
في ظاهر الخطاب يبدو الأمر وكأنه مدخل إلى تسوية دبلوماسية، لكن القراءة السياسية الأعمق تكشف احتمالًا آخر: أن تكون هذه الشروط مصممة أصلًا لتبقى غير قابلة للتحقق، بحيث يظل باب الحرب مفتوحًا ولو من الناحية السياسية.
المفارقة الأساسية أن إيران تطالب بتعويضات عن حرب كانت سياساتها الإقليمية أحد العوامل الرئيسية في إشعالها. فمنذ سنوات، اعتمدت طهران استراتيجية توسيع النفوذ عبر شبكة من الحلفاء المسلحين في المنطقة، ما جعل عدة ساحات إقليمية تعيش حالة احتكاك دائم قابلة للتحول إلى مواجهة مفتوحة في أي لحظة.
ومع تصاعد المواجهة الحالية، تحاول إيران إعادة صياغة رواية الصراع لتبدو في موقع الطرف الذي تكبد الخسائر ويطالب بالتعويض. غير أن هذا الطرح يصطدم بحقيقة سياسية واضحة: لا أحد يتوقع أن تُدفع تعويضات في حرب لم تُحسم فيها المسؤوليات، بل إن أطرافًا كثيرة ترى أن السياسات الإيرانية نفسها كانت جزءًا من المشكلة لا ضحية لها.
هنا يظهر البعد الأكثر إثارة للجدل في الخطاب الإيراني. فطرح شروط يعلم الجميع أنها شبه مستحيلة التحقيق لا يبدو طريقًا لإنهاء الحرب، بل قد يكون وسيلة لإدارة الصراع وإبقائه مفتوحًا. إنها صيغة سياسية ترفع سقف المطالب إلى حد يصعب تحقيقه، بحيث يبقى شبح الحرب حاضرًا في الخلفية.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع دخول أطراف حليفة لطهران في دائرة المواجهة، وعلى رأسها حزب الله الذي بات لاعبًا مباشرًا في الصراع مع إسرائيل، بالتوازي مع استمرار التوترات في الساحة السورية. في هذه المعادلة، لم تعد الحرب مجرد مواجهة محدودة، بل شبكة إقليمية من الصراعات تتحرك عبر أكثر من جبهة.
ومن هنا تبرز فرضية أخرى لا يمكن تجاهلها: هل التعويضات التي تتحدث عنها طهران تخصها وحدها، أم أنها تمتد أيضًا إلى حلفائها الذين أصبحوا جزءًا من هذه المواجهة؟ فإذا كان حزب الله قد دخل الحرب بوصفه شريكًا في المعركة، فمن المرجح أن خسائره العسكرية والسياسية أصبحت جزءًا من الحسابات التي تسعى إيران إلى إدراجها في أي تسوية مستقبلية.
لكن المسألة قد تتجاوز التعويضات التقليدية. فإيران تملك ورقة ضغط جيوسياسية شديدة الحساسية: مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ومع التلويح بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، قد تحاول طهران توظيف هذه الورقة اقتصاديًا وسياسيًا عبر فرض معادلة غير معلنة تقوم على السماح بمرور السفن مقابل ترتيبات أو مكاسب معينة.
وهنا تدخل الطاقة في قلب المعادلة السياسية، خصوصًا مع عودة الحديث عن النفط الإيراني والعقوبات في سياق تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول هذا الملف. فعندما يصبح النفط جزءًا من معادلة الحرب، تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط لا تقل تأثيرًا عن السلاح.
“حين تُطرح شروط يعلم أصحابها أنها لن تتحقق، فإنها لا تكون طريقًا إلى السلام بل طريقة لإبقاء الحرب ممكنة.”
وفي الشرق الأوسط، حين تُطرح الشروط بهذه الطريقة، لا يعود السؤال متى تنتهي الحروب!؟؟… بل لماذا يُراد لها أن تستمر.!!؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى