المقالات

الفرصة الأخيرة في الشرق الأوسط..؟!

عند منتصف ليل التصعيد، توقعت الأوساط السياسية والعسكرية أن تكون الحرب على إيران “نزهة” تليها تسوية تُعيد تشكيل توازنات المنطقة. لكن سرعان ما تبددت تلك التوقعات، إذ تحولت المواجهة إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في العقود الأخيرة، حيث غاب الحسم وحل محله منطق الاستنزاف المتبادل، مع تداعيات تمتد من مضيق هرمز إلى مراكز القرار العالمية.

البداية مضللة والأفق مسدود؟!
انطلقت العمليات العسكرية تحت شعار «الغضب الملحمي»، مستندة إلى تقديرات استخباراتية ثبت لاحقاً أنها لم تراعِ بدقة تعقيدات المشهد الإقليمي. وتجاهل التخطيط الأولي تحذيرات متكررة من دول الخليج، التي كانت الأقرب إلى طبيعة التفاعلات الإيرانية وقدرتها على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص للمناورة. وسرعان ما انكشف أن ما رُوِّج له باعتباره نصراً سريعاً كان مجرد بداية لدوامة لا تحمل في طياتها يوماً تالياً واضح المعالم.
مع غياب أي تصور جاد لمرحلة ما بعد الصراع، انزلقت المواجهة إلى منطقة رمادية يعمل فيها الزمن لصالح الطرف الأكثر قدرة على تحمل كلفة الاستنزاف. وباتت طهران تستخدم التهديد بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، كورقة ضغط تعيد بها خلط حسابات القوى الكبرى. في المقابل، بدت الاستراتيجية الأمريكية مترددة بين خيارات متعددة دون حسم، في نمط يمكن وصفه بـ«التفاوض تحت النار» الذي سرعان ما تحول إلى مأزق يصعب الخروج منه دون كلفة سياسية واستراتيجية باهظة.

الخليج بين ضبط النفس وإعادة التموضع؟
في خضم هذه الأزمة، وجدت دول الخليج العربي نفسها في موقع المتلقي الأول والأكثر تأثراً بالتداعيات، مع تهديدات مباشرة لأمنها واستقرارها ومصادر دخلها. ورغم ذلك، اختارت بقيادة المملكة العربية السعودية نهجاً يقوم على ضبط النفس ورفض الانجرار إلى دوامة التصعيد، مع إبقاء المصالح الحيوية في صدارة الأولويات.
غير أن هذه المرحلة فرضت أيضاً تحولاً استراتيجياً مهماً. فالدول الخليجية بدأت إعادة تقييم أدوارها الإقليمية، والانتقال من موقع التفاعل مع الأزمات إلى موقع صنع التوازنات. وهي تسعى اليوم إلى توظيف أدوات القوة السياسية والاقتصادية، وإعادة تفعيل آليات العمل المشترك، بما يمكنها من حماية أمنها الجماعي وفرض معادلات أكثر استقراراً في محيطها.

واشنطن وطهران: حسابات متقاطعة؟
على الجانب الآخر، تبدو إيران وكأنها وصلت إلى مرحلة لم يعد لديها فيها الكثير لتخسره، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للتصعيد والمناورة. وتعزز هذه القناعة لديها بعد أن أظهرت قدرتها على استمرار التهديد رغم الضغوط، فيما تحولت أزمتها مع الغرب إلى لعبة مطاردة لا تعترف بالهزيمة السريعة.
في الجهة المقابلة، تواجه الإدارة الأمريكية تحديات متزايدة نتيجة خياراتها الاستراتيجية، خاصة بعد أن ربطت مصداقيتها بسياسات لم تراعِ بدقة التوازنات الإقليمية. وقد أفضى ذلك إلى وضع معقد تتداخل فيه الأهداف السياسية بالمصالح الاقتصادية، وسط انتقادات متزايدة للنهج الذي استبدل الحلول عسكرية غير محسوبة النتائج بالمسارات الدبلوماسية. وتبرز هنا مقارنات مع تجارب سابقة، حيث أدى غياب التخطيط لمرحلة ما بعد الصراع إلى نتائج كارثية استغرقت سنوات لاحتواء تداعياتها.

تحولات دولية عاصفة؟
لم تبق تداعيات الحرب محصورة في المنطقة، بل امتدت إلى النظام الدولي بأسره. فقد بدأت ملامح تباعد تظهر بين الحلفاء التقليديين، خاصة بين أوروبا والولايات المتحدة، في ظل تحفظات أوروبية على الانخراط في صراع يعارضه أغلبية الرأي العام الأوروبي، ولا يحظى بإجماع داخلي، ولا يخدم سوى مصالح إسرائيل. كما برز تردد دولي في تحمل أعباء حماية الملاحة الدولية رغم المخاطر المتزايدة، مما عكس حالة من الارتباك في إدارة الأمن العالمي وأشار إلى شروخ أعمق في طبيعة التحالفات الدولية.
في هذا السياق، تكشف الحرب عن خلل بنيوي في المنظومة الدولية التي بدت عاجزة عن أداء دورها في احتواء الأزمات ومنع التصعيد. المؤسسات الدولية تراجع تأثيرها، والآليات الفاعلة لفرض القانون الدولي غائبة، ما فتح الباب أمام حالة من الفوضى الاستراتيجية. ولم يعد هذا الغياب مجرد مشكلة دبلوماسية، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن والاستقرار الاقتصادي العالمي، في ظل اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

مشروع الإصلاح السعودي؟
في مواجهة هذا الفراغ الدولي، تبرز المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول الداعية إلى إصلاح شامل للمنظومة الدولية، خاصة مجلس الأمن. وتقوم رؤيتها على أسس واضحة: تمثيل أكثر عدالة للدول العربية والإسلامية، تطوير آليات العمل لمنع تعطيل القرارات المتعلقة بالجرائم الكبرى، مواجهة الازدواجية في تطبيق القانون الدولي، وتبني نهج متعدد الأطراف متوازن يجمع بين دعم المؤسسات التقليدية وبناء شراكات مرنة مع دول الجنوب العالمي.
وهذه الرؤية تنسجم مع مستهدفات رؤية 2030 التي ترسيخ مكانة المملكة كقوة اقتصادية وسياسية مؤثرة، قادرة على الإسهام في بناء نظام دولي أكثر عدلاً وكفاءة.

على مفترق طرق؟
بعد الانتقال من وهم الانتصار السريع إلى وضعية “الورطة” تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما التوصل إلى تسوية سياسية سريعة تضع حداً للتصعيد، أو الانزلاق نحو أزمة طويلة الأمد قد تعيد تشكيل ملامح النظامين الإقليمي والدولي. في هذه المعادلة المعقدة، يبقى الرهان على الحكمة السياسية، وعلى قدرة القوى الإقليمية – وفي مقدمتها السعودية – على إدارة هذه اللحظة التاريخية بما يحقق الأمن الجماعي، ويحول دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى. فغياب المنظومة الدولية الفعالة ليس مجرد فراغ دبلوماسي، بل كارثة أمنية واقتصادية، والحل يكمن في إصلاح حقيقي يعيد التوازن، وهو الدور الذي باتت السعودية تؤديه كصوت بناء يدعو إلى نظام يحمي الجميع بدلاً من أن يترك المنطقة عرضة للفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى