المقالات

الحج.. بين أمانة المسؤولية وشرف الخدمة

مع إشراقة كل موسم حج تتجدد واحدة من أعظم صور الوحدة الإسلامية، حين تتجه أفئدة ملايين المسلمين إلى بيت الله الحرام قادمين من مختلف أنحاء العالم، يجمعهم الإيمان وتوحدهم الغاية في أداء هذه الشعيرة العظيمة. وفي هذا المشهد الإنساني والإيماني الفريد تتجلى جهود كبيرة تبذلها الدولة بمختلف قطاعاتها، كما تتجسد قيم التعاون والتكافل التي تجعل من الحج قصة نجاح تتكرر عاماً بعد عام بفضل الله ثم بجهود أعداد لا تُحصى من العاملين والمتطوعين والمواطنين والمقيمين والحجاج أنفسهم. إن نجاح موسم الحج لا يعتمد على الخطط والإمكانات فحسب، بل يقوم على شعور كل فرد بمسؤوليته تجاه هذه الشعيرة المباركة. فالمسؤول الذي يضع الخطط ويتابع التنفيذ ويبحث عن فرص التطوير لا يؤدي عملاً إدارياً مجرداً، بل يشارك في تيسير عبادة لملايين المسلمين. والموظف في أي جهة حكومية أو خدمية حين ينجز معاملة أو يقدم خدمة أو يرشد محتاجاً فإنه يسهم في تحقيق رسالة عظيمة تتجاوز حدود الوصف الوظيفي إلى شرف خدمة ضيوف الرحمن.

كما أن العاملين في القطاع الخاص شركاء أساسيون في منظومة الحج بما يقدمونه من خدمات النقل والإسكان والإعاشة والتقنية وغيرها من الخدمات التي أصبحت جزءاً مهماً من تجربة الحاج. وكلما ارتفع مستوى الجودة والإتقان والأمانة انعكس ذلك إيجاباً على راحة الحجاج وسلامتهم وطمأنينتهم. وينطبق الأمر ذاته على الممارسين الصحيين الذين يسهرون على صحة الحجاج، وعلى رجال الأمن الذين يعملون في الميدان لتنظيم الحشود والمحافظة على الأمن والسلامة، في مشاهد تتكرر كل عام وتستحق التقدير والإشادة. وللإعلام دور لا يقل أهمية عن بقية الأدوار، فهو الواجهة التي تنقل الصورة إلى العالم، والمنبر الذي يرفع مستوى الوعي ويعزز الالتزام بالتعليمات ويبرز الجهود المبذولة لخدمة الحجاج. كما أن صناع المحتوى والمؤثرين يتحملون مسؤولية نشر الرسائل الإيجابية والمعلومات الصحيحة وتجنب تداول الشائعات أو المبالغات التي قد تؤثر على وعي المتابعين أو تشوش على الحجاج.

أما المواطن والمقيم فلهما دور مباشر في إنجاح الموسم من خلال التعاون مع الجهات المختصة، وتقديم المساعدة عند الحاجة، وإظهار الصورة المشرقة للمجتمع السعودي الذي اعتاد عبر تاريخه استقبال ضيوف الرحمن والترحيب بهم وخدمتهم. وقد تكون كلمة طيبة أو مبادرة بسيطة أو إرشاد صحيح سبباً في تسهيل رحلة حاج قطع آلاف الكيلومترات أملاً في أداء نسكه والعودة إلى بلاده بأجمل الذكريات. ويبقى الحاج نفسه شريكاً أساسياً في نجاح الحج، من خلال الالتزام بالأنظمة والتعليمات، والتحلي بالصبر والرفق واحترام الآخرين والمحافظة على النظافة والمرافق العامة، فالحج ليس أداءً للمناسك فقط، بل مدرسة عملية للأخلاق والانضباط والتعاون وتحمل المسؤولية. إن موسم الحج فرصة تتجسد فيها معاني الإخلاص والعمل الجماعي بأسمى صورها، حيث تتكامل الجهود وتتحد الأهداف من أجل خدمة ضيوف الرحمن وتمكينهم من أداء عبادتهم في أمن ويسر وطمأنينة. وحين يستشعر كل فرد مسؤوليته مهما كان موقعه، فإن النجاح يصبح نتيجة طبيعية لهذا التكامل المبارك.

وفي هذه الأيام المباركة نسأل الله تعالى أن يوفق حجاج بيت الله الحرام لأداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه، وأن يتقبل منهم حجهم وسعيهم ودعاءهم، وأن يبارك في جهود جميع العاملين والقائمين على خدمتهم من مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والتطوعية، وأن يجزيهم خير الجزاء على ما يبذلونه من عطاء وتفانٍ، وأن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين قيادةً وشعباً ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجعل خدمة ضيوف الرحمن عملاً خالصاً لوجهه الكريم ومصدراً للأجر والثواب في الدنيا والآخرة.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى