
لم تعد أسعار النفط مجرد أرقام تتحرك صعودًا وهبوطًا وفق معادلات العرض والطلب، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لصراعات الجغرافيا السياسية، وميزانًا حساسًا لتوترات العالم. وفي ظل التصعيد المتسارع المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، يدخل سوق الطاقة مرحلة جديدة من عدم اليقين، تتجاوز الاقتصاد إلى عمق الأمن الدولي.
وفي حديثه مع صحيفة مكة الإلكترونية، أوضح الدكتور علي محمد الحازمي، الخبير في الاقتصاد الدولي، أن سعر خام برنت الذي سجّل 109.03 دولارات للبرميل، بارتفاع نسبته 7.78%، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق. فالمؤشرات الفنية التي تُظهر اتجاهًا صعوديًا، ومستويات دعم عند 99.08 دولار ومقاومة عند 109.74 دولار، تعكس حالة قلق عالمي تدفع الأسواق نحو التحوّط ورفع الأسعار.
ويشير الحازمي إلى أن أي توتر في منطقة الخليج العربي، التي تمثل شريان الطاقة العالمي، ينعكس فورًا على حركة النفط. ومع تصاعد احتمالات المواجهة أو اتساع نطاقها، تتجه الأسواق إلى تسعير “الخطر” قبل وقوعه، وهو ما يفسر حالة “الشراء القوي” التي تظهرها المؤشرات التقنية، حيث لم يعد التسعير مرتبطًا بالإنتاج الفعلي بقدر ارتباطه بتوقعات الإمداد.
وفي هذا السياق، تبدو الأسواق وكأنها تقرأ المشهد السياسي قبل أن يقع، إذ تتحول التصريحات والتحركات العسكرية إلى إشارات مباشرة في منحنى الأسعار. ولهذا، فإن توقعات وصول خام برنت إلى 112.69 دولارًا بنهاية الربع الحالي، وفق ما أشار إليه الحازمي في تصريحه لـصحيفة مكة، تأتي نتيجة قراءة مركبة تجمع بين التحليل الفني والواقع الجيوسياسي.
غير أن التحدي الأكبر، كما يؤكد، لا يكمن في ارتفاع الأسعار، بل في استدامة هذا الارتفاع. فالعالم يقف اليوم بين مسارين: إما احتواء التصعيد بما يعيد التوازن للأسواق، أو الدخول في مرحلة أكثر تعقيدًا، يصبح فيها النفط أحد أبرز أدوات الضغط والنفوذ في الصراع الدولي.
وفي خضم هذه المعادلة، تبقى الدول المنتجة أمام اختبار دقيق بين الحفاظ على استقرار السوق، والاستجابة لمتغيرات سياسية متسارعة. كما يبقى المستثمرون أمام ضرورة قراءة المشهد بعين مزدوجة: اقتصادية تفهم الأرقام، وسياسية تدرك ما وراءها.






