المقالات

التوجه شرقاً…عين العالم على الخليج؟!

أعادت الحرب على إيران تسليط الضوء بقوة على الأهمية الاستراتيجية الاستثنائية لدول الخليج على المستوى العالمي، ومع تعاظم التحولات الدولية والإقليمية قفزت دول الخليج إلى واجهة المشهد العالمي ليس فقط بوصفها منتجاً رئيسياً للطاقة بل بوصفها مركزاً استراتيجياً بالغ الأهمية اقتصادياً وسياسياً ولوجستياً، وقد شكلت دول الخليح تاريخيا ركيزة أساسية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية. فقد لعب النفط الخليجي دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأسهم في تطور أميركا وإعادة إعمار أوروبا وتعزيز النمو في آسيا.واليوم يبرز سؤال محوري: هل بدأت دول الخليج فعلياً إعادة توجيه بوصلتها؟
تبدو دول الخليج اليوم أكثر قدرة على المناورة والتنويع بين خيارات استراتيجية مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة، وهو ما يمنحها فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها في نظام عالمي جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد!

سبعة عقود من الشراكة مع أمريكا.. مكاسب متبادلة لكن غير متكافئة؟
على مدى أكثر من سبعة عقود، ارتبطت دول الخليج بشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، وتجلت في عدة مسارات رئيسية، أبرزها نظام “البترودولار” حيث يتم تسعير النفط بالدولار الأمريكي، ثم إعادة استثمار العوائد الضخمة في الأسواق المالية الأمريكية، بما في ذلك سندات الخزانة. كما اعتمدت دول الخليج بشكل كبير على التسليح الأمريكي، إذ تجاوزت قيمة صفقات الأسلحة المبرمة مع واشنطن مئات المليارات من الدولارات على مدى عقود. إلى جانب ذلك، أسهمت الصناديق السيادية الخليجية باستثمارات تريليونية في دعم الاقتصاد الأمريكي وتمويل جزء من عجزه.
ورغم هذه الشراكة العميقة، ظل النموذج الاقتصادي الخليجي المعتمد أمريكيا تقليديا قائماً بدرجة كبيرة على تصدير الموارد الخام واستيراد البضائع والخدمات والتكنولوجيا، مقارنة بتجارب دول شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، التي ركزت على التصنيع والابتكار ونقل وتوطين التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية، ما مكنها من تحقيق قفزات تنموية نوعية نقلتها من مرحلة الاعتماد إلى التنافسية.

الصين.. الشريك الجديد الصاعد بسرعة منذ 2010؟
خصوصاً بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق (BRI)، تحولت العلاقة مع الصين من شراكة نفطية تقليدية إلى تعاون استراتيجي شامل يدعم رؤى التنويع الخليجية (رؤية 2030، ونظيراتها في الإمارات وقطر).
وتشير البيانات إلى أن الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر لدول مجلس التعاون الخليجي، مع نمو ملحوظ في حجم التبادل التجاري الذي يقترب من 300 مليار دولار سنوياً، متجاوزاً بفارق كبير حجم التجارة مع الولايات المتحدة. كما تعتمد بكين بشكل متزايد على النفط الخليجي لتلبية احتياجاتها، حيث يأتي نحو نصف وارداتها النفطية من المنطقة.
ولم يقتصر الحضور الصيني على التجارة والطاقة، بل امتد إلى الاستثمارات والبنية التحتية، من خلال مشاريع ضخمة في مجالات الموانئ والطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة. كما تشهد دول الخليج انتشاراً متزايداً للشركات الصينية، خاصة في قطاعات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، إلى جانب استثمارات متبادلة بين الجانبين.

السؤال المطروح الآن: هل سيتحول هذا التوجه الشرقي التدريجي إلى استراتيجية شاملة في السنوات المقبلة؟
الإجابة ستتوقف على تطورات المشهد الدولي ومستوى الاستجابة الأمريكية لتطلعات الخليج التنموية ومدى قدرة الشركاء التقليديين – وفي مقدمتهم الولايات المتحدة – على مواكبة الطموحات التنموية المتسارعة في المنطقة.

استراتيجية التحوط.. لا شرقية ولا غربية؟
لا تسعى دول الخليج إلى استبدال الصين بأميركا؛ بل تتبع استراتيجية تحوط ذكية. تحتفظ بالولايات المتحدة كشريك تاريخي بينما تعمق وتنوع التعاون مع الصين.
إن التوجه شرقاً ليس انفصالاً عن الغرب؟! بل تعظيماً للخيارات وتقليلاً للمخاطر في عالم متعدد الأقطاب. ومع استمرار التوترات الإقليمية والمنافسة الأمريكية-الصينية، يبدو أن دول الخليج بعد الصراع الحالي في الشرق الأوسط ستكون مصممة أكثر على أن تكون لاعباً مركزياً وليست مجرد ساحة للصراع بما يحمي مصالحها الحيوية والاستراتيجية ويصون مقدراتها وأمنها القومي !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى