أكرمني الأستاذ القدير والمثقف الكبير حمد بن عبدالله القاضي بإهداء كريم تمثل في الطبعة الجديدة من كتابه «مرافئ على ضفاف الكلمة»، والذي وصفه – في رسالته الرقيقة المرفقة – بأنه أغلى كتبه.
والحقيقة أن سعادتي بهذا الإهداء لا تُوصف، ليس فقط لقيمة الكتاب، بل لقيمة المُهدي نفسه. فالأستاذ حمد القاضي ليس اسمًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل قامة وطنية عرفت بالحضور الثقافي والأدبي والإنساني، وهو عضو وأمين عام مجلس أمناء مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية، وعضو سابق في مجلس الشورى، وأحد الوجوه التي تركت أثرًا جميلًا في الوسط الثقافي والاجتماعي.
ويمكنني اختصار سعادتي بهذا الإهداء في ثلاثة أسباب:
أولها أنني كنت حاضرًا في ذاكرته رغم مشاغله الكثيرة.
وثانيها ما يحمله هذا الإهداء من تقدير وثقة أعتز بها.
أما ثالثها فهو تلك الروح الإنسانية التي تسكن هذا الكتاب، وتظهر بوضوح في رسالته قبل صفحاته.
لن أتحدث عن عدد الصفحات ولا عن حجم الكتاب أو غلافه، فالقيمة الحقيقية ليست في الأرقام، بل فيما يحمله الكتاب من معرفة وتجربة ومشاعر صادقة.
كنت أنوي أن أكتب عن محتوى الكتاب مباشرة، لكنني توقفت طويلًا أمام الرسالة المرفقة،وأمام أسلوب الأستاذ حمد القاضي وإنسانيته التي تظهر بين السطور، وفي طريقة تقديمه لكتابه قبل الحديث عن مضمونه.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا الإهداء أن الأستاذ حمد القاضي لم يكتفِ بإرسال كتاب في ظرف مغلق ورسالة عابرة، بل أوضح لماذا يعد هذا الكتاب الأقرب إليه؛ لأنه يمثله إنسانًا وكاتبًا،ولأنه مهدي إلى والدته، ولأن الأديب الراحل غازي القصيبي قدّمه.
وهنا لا نتحدث عن إهداء بقدر ما نتحدث عن وفاء.
وفاء للوالدة، ووفاء للتجربة، ووفاء للأسماء التي مرت في حياته وأسهمت في تشكيل هذه الرحلة.
كما أن الأستاذ حمد القاضي قدّم كتابه بوعي الكاتب الذي يعرف قيمة التعريف بتجربته، فلم يتركها حبيسة الأدراج أو رهينة التواضع المبالغ فيه، بل قدّمها للقارئ كما هي؛ تجربة إنسان عاش وكتب ورأى الكثير.
ويحضر هنا ما كان يقوله رائد العلاقات العامة الأمريكي أيفي لي حين أشار إلى أن الإنسان لايكتفي بالفعل وحده، بل عليه أن يعرّف الناس بما يفعل.
في هذا الكتاب يلمس القارئ اعتزاز الكاتب بتجربته وحرصه على توثيقها بوضوح وصدق، وهذه نقطة مهمة كثيرًا ما يغفل عنها بعض المثقفين الذين يؤجلون كتابة تجاربهم وسيرهم، على أمل أن يقوم الآخرون بذلك لاحقًا.
لكن الحقيقة أن الإنسان أقدر الناس على رواية نفسه، وأعرفهم بتفاصيل تجربته وبالتحديات التي تجاوزها.
ولهذا فإن ما فعله الأستاذ حمد القاضي لا يمكن اعتباره مجرد توثيق لرحلة أدبية، بل حفظ لذاكرة جميلة تستحق أن تُروى.
وكما قيل: من يوثق… يبقى حيًا في ذاكرة الأجيال.
كما يحضر في هذا الكتاب اسم الأديب الكبير غازي القصيبي، كقيمة ثقافية ووطنية كبيرة،وإحدى الشخصيات التي لا تزال حاضرة في وجدان الأدباء والمثقفين، ويعكس إبراز كلمته على غلاف الكتاب اعتزاز الأستاذ حمد القاضي بكتابه أولًا، كما يعكس اعتزازه بشخصية رجل الدولة والأديب غازي القصيبي؛ لأن بعض الأسماء تُذكر لما تمثله من قيمة ومعنى وحضور راسخ في الذاكرة الثقافية.
ختامًا، فإن «مرافئ على ضفاف الكلمة» ليس مجرد كتاب، بل رحلة إنسانية وثقافية تحمل الكثير من التأمل والوفاء والصدق.
فكل الشكر والتقدير للأستاذ حمد بن عبدالله القاضي على هذا الإهداء الكريم، وعلى هذا الأدب الرفيع الذي يسبق الكاتب قبل كتابه، وعلى هذه الروح الإنسانية التي تجعل القارئ يشعر أنه أمام إنسان يكتب بقلبه قبل قلمه.
ولعل أجمل ما في «مرافئ على ضفاف الكلمة» أنه يترك أثرًا من الوفاء والصدق والامتنان، وهي القيم التي تبقى في ذاكرة الناس.






