المقالات

الحرب على إيران: حين ينتقل الصراع من الحدود إلى داخل الدول

«خلف الخطوط

لم تكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران حدثاً مفاجئاً بقدر ما كانت انفجاراً مؤجلاً لصراع ظل يتراكم في بنية المنطقة لسنوات, فما جرى لم يكن بداية حرب جديدة، بل كشفاً لما كان مُستتراً خلف هدوء هشّ طال أمده, فالصواريخ التي دَوّت فوق مُدن إيران لم تفتح جبهة مستحدثة، بل أزاحت الغطاء عن طبقات صراع كانت تتفاعل داخل الدول لا على حدودها، مؤكدة أن المواجهة مع طهران لم تكن يوما محصورة في جغرافيتها، بل ممتدة في عمق المجتمعات التي اخترقتها.
على مدى سنوات، بنت إيران منظومتها الإقليمية عبر وكلاء وميليشيات وهياكل موازية وشبكات نفوذ اجتماعية واقتصادية وسياسية، وعندما تعرّضت لضربات مباشرة، لم تعتمد على قدراتها الذاتية فقط، بل فعّلت امتداداتها في لبنان واليمن والعراق وسوريا، لتؤكد أن مجال نفوذها لا يُقاس بحدودها، بل بقدرتها على تحريك ساحات متعددة في اللحظة ذاتها. وهكذا تحوّل الصراع معها إلى مواجهة مع منظومة مترابطة لا مع دولة منفردة، منظومة تتداخل فيها الجغرافيا بالولاء، والمجتمع بالسلاح، والدولة بالكيان الموازي.
في الساحة اللبنانية، برزت صورة واضحة لطريقة إدارة إيران للصراع عبر وكلائها. فقد تحرك حزب الله وفق إيقاع محسوب لا يتجاوز خطوط طهران ولا يسبق توقيتها، محتفظا بقدرة انتقائية على فتح الجبهة أو إغلاقها بما يخدم الحسابات الإيرانية. أما الدولة اللبنانية فبدت شبه غائبة، كأنها طرف خارجي في معادلة تُصاغ داخل حدودها دون أن تكون شريكاً فيها, فقد أصبح الحزب جزءاً من منظومة دفاعية-هجومية تتجاوز لبنان نفسه، وهو ما جعل دوره أكبر من مجرد ذراع محلية، بل حلقة أساسية في شبكة إقليمية متكاملة.
وفي اليمن، اتخذت تحركات الحوثيين طابع الرسائل الاستراتيجية لا ردود الفعل الانفعالية. فإيران استخدمت الساحة اليمنية لتوجيه إنذارات بعيدة المدى، مفادها أنها قادرة على فتح جبهات بعيدة عن أراضيها كلما احتاجت إلى تخفيف الضغط أو إعادة توزيع كلفة المواجهة. وهكذا تحوّل اليمن من ساحة نزاع داخلي إلى منصة إقليمية تُدار وفق منطق المركز الإيراني، تُستخدم لإرباك الخصوم وتهديد خطوط الملاحة وإشغال الأطراف الإقليمية في توقيت تختاره طهران.
أما العراق، فقد كشف عن المعضلة الأكثر تعقيداً في هذا المشهد. فالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران لم تتصرف كقوى محلية، بل كأذرع ضمن منظومة إقليمية موحدة تتحرك وفق إيقاع واحد. فالدولة العراقية بقيت عاجزة عن فرض سلطتها، وهو ما أكد أن تعدُّد مراكز القوة لم يعد خللاً داخلياً فحسب، بل نتيجة مباشرة لبنية نفوذ إيرانية ترسخت منذ سنوات. لقد أظهرت الحرب أن العراق يعيش ازدواجية بنيوية بين دولة تحاول استعادة سيادتها وكيانات ترى نفسها امتدادا لمشروع يتجاوز حدودها الوطنية.
وفي الخليج، أعادت الحرب تعريف مفهوم الأمن الإقليمي. فلم يعد التهديد مرتبطا بالحدود الإيرانية المباشرة، بل بالساحات التي تُدار منها الهجمات, فصاروخ يُطلق من اليمن، طائرة مسيّرة تنطلق من العراق، أو تحرك يقرره حزب الله في لبنان. كل ذلك يشير إلى أن أمن الخليج لم يعد مسألة دفاع حدودي، بل قدرة على التأثير في الساحات التي تستخدمها إيران كمنصات تهديد، ما يجعل الأمن الإقليمي مرتبطا بإدارة التوازنات داخل الدول لا فقط على أطرافها.
الصدام المباشر لم يُنهِ المشروع الإيراني، لكنه كشف حدوده. فقد بدت طهران قوية عبر وكلائها، ثم بدت هشّة حين واجهت الضربات في عمقها. ومع ذلك، فإن قدرتها على امتصاص الصدمة والعودة لاستخدام الأدوات ذاتها تؤكد أن مشروعها لم ينهزم، لأنه لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على شبكات اجتماعية واقتصادية وسياسية يصعب تفكيكها بالقوة. وفي المقابل، كشفت الحرب أن هذه الشبكات نفسها قائمة على بيئات هشّة داخل دول منهكة، ما يجعل نفوذ إيران قابلا للاهتزاز كلما تغيّرت موازين الداخل.
ختاماً..
الحرب لم تُغيّر طبيعة الصراع، بل أعادت تعريفه. فالمعركة اليوم ليست على الأرض بقدر ما هي على شكل الدولة نفسه، فدولة تحتكر السلاح والقرار، أو كيان هش تتقاسمه الولاءات والميليشيات. وبين هذين النموذجين يُعاد رسم مستقبل الشرق الأوسط، لا بخطوطه الجغرافية، بل بموازين القوة داخل دُولِه. وما لم تُدرك الدول العربية أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الداخل، فإن أي حرب -حتى المباشرة منها- لن تغيّر الواقع، بل ستعيد إنتاجه بصيغة جديدة. ومن يحسم ميدان الداخل يحسم شكل المنطقة في السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى