حين يترجّل الصالحون عن صهوة الحياة، لا يرحلون حقًّا؛ بل تتقدّم آثارهم لتبقى ناطقةً بذكرهم، شاهدةً على صدق عطائهم، وعظيم ما غرسوه في أرض المجتمع من خيرٍ لا يذبل، وأثرٍ لا يُمحى ، فالأرواح الزكية وإن غابت أجسادها، فإنها تظل حاضرةً في تفاصيل الحياة، في كل عملٍ نافع، وفي كل إنسانٍ امتدّت إليه يد الإحسان.
وقد فُجعت منطقة عسير برحيل أخي وشقيقي الدكتور سعيد بن علي الأحمري رئيس مجلس جمعية عون الأهلية أحد رجالات عسير المخلصين الذين صاغوا من أعمارهم قصة عطاءٍ لا تعرف الكلل، وجعلوا من خدمتهم للإنسان رسالةً سامية، يؤمنون بها، ويعيشون لأجلها ، فالإنسان هو الثروة الحقيقية، وعماد بناء الأوطان، والاهتمام به تهذيبًا وتعليمًا وتوجيهًا هو أشرف ما تُبذل فيه الجهود.
وحديثي هنا ليس مدفوعًا بعاطفة القرب، وإن كان الراحل أخًا عزيزًا وفياً، وشقيقاً مخلصاً نقياً ، بل هو حديث منصف يكتفي بسرد بعض من مآثره، التي تشهد له، وتغني عن كل وصف ، فقد نشأ محبًا للخير، سبّاقًا إلى الفضيلة، مُجانبا لكل رذيلة، طموحًا لا تعيقه الصعاب، ولا تثنيه المسافات.
كانت نشأته ضربا من الخيال حيث كان يقطع الطريق إلى طلب العلم في حرّ الصيف وبرد الشتاء عبر الجبال الشاهقة والطرق الوعرة مشيا على الأقدام ، يحمل في قلبه إصرارًا لا يلين، حتى غدا مثالًا يُحتذى في خُلقه وتحصيله، متوّجًا مسيرته التعليمية دومًا بالتميّز والريادة.
وكان برّه بالوالدين صورةً ناصعة من صور الوفاء؛ يسابق الزمن ليرسم البسمة على وجهيهما ، ويجعل من خدمتهما شرفًا يتقرّب به.
ولم يكتفِ ببناء ذاته، بل كان سندًا لغيره، وقدوةً لمن حوله، يمدّ يد العون، ويغرس في القلوب حبّ العلم والطموح.
جمع بين مشقة العمل وطموح الدراسة، فكان يعمل نهارًا، ويطلب العلم ليلًا، حتى أتمّ مراحله التعليمية بتفوقٍ لافت. ثم واصل مسيرته الجامعية، فحاز أعلى الدرجات مع مرتبة الشرف، ولم يقف طموحه عند هذا الحد، بل ارتقى في مدارج العلم حتى نال درجة الدكتوراه بامتيازٍ مشهود، بعد رحلةٍ حافلة بالبذل والتضحية، سكب فيها من وقته وماله وجهده ما يعجز عنه الكثير.
ولم تكن هذه النجاحات محطاتٍ شخصية فحسب، بل جعل منها جسورًا للعطاء؛ فعاد إلى الميدان التربوي حاملًا خبراته، مسخّرًا علمه في خدمة الطلاب، مؤسسًا للوحدات الإرشادية، ومطلقًا البرامج التوعوية، ومشاركًا في بناء الإنسان علمًا وسلوكًا ، فكان له أثرٌ بيّن في التعليم العام والجامعي، امتد صداه داخل الوطن وخارجه.
وحين بلغ سنّ التقاعد، لم يعرف للراحة طريقًا؛ إذ كان قلبه معلقًا بالخير، وروحه مشدودةً إلى ميادين العطاء ، فاختار أن يواجه واحدةً من أخطر الآفات التي تهدّد المجتمعات، وهي آفة المخدرات، فبادر بتأسيس جمعيةٍ متخصصة، جمع لها الكفاءات، وسخّر لها خبراته، حتى انطلقت شامخةً بمبادراتها، مؤثرةً ببرامجها، راسخةً في عطائها، تغرس الوعي، وتحمي الأجيال، وتخفف آلام الأسر.
وهكذا، يمضي الصالحون، وتبقى آثارهم نبراسًا يهتدي به السائرون، وسيرةً تُروى لتلهم الأجيال أنّ العطاء هو الخلود الحقيقي، وأن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بعمق أثره.
رحم الله الفقيد رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في موازين حسناته، وجعل سيرته العطرة نورًا يضيء دروب الخير لكل من جاء بعده.






