عامالمقالات

أعيدوا لكلّيات التربية طلّابها

في اللحظة التي تبدأ فيها الجامعات بالنظر إلى بعض التخصصات من زاوية العائد الوظيفي فقط، وتُختزل قيمة المعرفة فيما ينتجه التخصص من وظيفة مباشرة أو مردود اقتصادي سريع، تبدأ المنظومة التعليمية في فقدان بوصلتها الحضارية. فليست كل العلوم تُوزن بمنطق الربح المباشر؛ فهناك مجالات معرفية تصنع الإنسان قبل أن تؤهله للمهنة، وتبني الوعي قبل أن تبني المهارة، وتحفظ هوية المجتمع قبل أن تخدم اقتصاده.
لقد كانت كليات التربية في المملكة العربية السعودية، لعقود طويلة من الزمن ، الحاضن الأكاديمي والتربوي الرئيس لإعداد المعلم إعدادًا علميًا ومهنيًا متكاملًا، تؤدي رسالتها في تخريج معلمين أكفاء ومؤهلين يجمعون بين التمكن المعرفي والكفاءة التربوية والوعي الفكري المتزن والمهارة التعليمية. وكان لديها نمطين في برامج إعداد المعلم: في المرحلة الأولى كان الإعداد التكاملي الذي تتشارك فيه كليات التربية مع الكليات التخصصية في البناء المعرفي والعلمي وبناء شخصية الطالب المعلم العلمية والمهنية، وفي المرحلة الثانية كان الإعداد التتابعي الذي يقوم على تأهيل خريجي التخصصات المختلفة تربويًا بعد تخرجهم عبر برامج الدبلومات العامة في التربية. غير أنه توقفت تلك البرامج التكاملية والتتابعية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع فتح المجال لخريجي الكليات التخصصية لدخول مهنة التعليم دون إعداد تربوي مهني كافٍ، وهذا الأمر أوجد فراغًا حقيقيًا في منظومة إعداد المعلم وتأهيله، وأنتج واقعًا أصبح فيه بعض من يمارس مهنة التعليم يمتلك المعرفة التخصصية لكنه يفتقر إلى أدوات الممارسة التعليمية ومهاراتها المهنية، والوظيفية.
وهنا تكمن الإشكالية الكبرى؛ فالمعرفة وحدها لا تصنع معلمًا، كما أن امتلاك التخصص لا يعني امتلاك القدرة على تعليمه. فالتدريس علم ومهارة وفن، له نظرياته وممارساته واستراتيجياته وأساليبه وتقنياته في التقويم والإدارة الصفية والتعامل النفسي والتربوي مع المتعلمين. إننا حين نسمح بدخول معلمين إلى الميدان التعليمي دون تأهيل تربوي حقيقي، فإننا لا نوفر في الإنفاق كما قد يُتصور، بل نؤجل كلفة أكبر تتمثل في ضعف المخرجات، وتراجع التحصيل، وزيادة الحاجة إلى المعالجة والتطوير المستمر لاحقًا.
كما أنّ إعادة طلاب كليات التربية (معلمي المستقبل) إليها وفق نموذج الإعداد التكاملي تمثل استثمارًا عالي الكفاءة في رأس المال البشري، وليس عبئًا ماليًا إضافيًا كما يُتوقع. فمن خلال هذا النموذج يُبنى المعلم منذ سنواته الجامعية الأولى بناءً مزدوجًا: تخصصيًا في مجاله العلمي، وتربويًا في مهنته التعليمية. فمعلم الرياضيات، مثلًا، يُعد بالشراكة بين كليات التربية واقسام الرياضيات في كليات العلوم، ومعلم اللغة الإنجليزية بين كليات التربية وكليات اللغات والترجمة، وهكذا في مختلف التخصصات. وهذا التكامل لا يرفع جودة الإعداد فقط، بل يعزز كفاءة الإنفاق الجامعي عبر توظيف الموارد الأكاديمية القائمة في منظومة متكاملة تنتج مخرجات أكثر جودة، وتقلل من الهدر الناتج عن ضعف التأهيل أو الحاجة إلى إعادة التدريب بعد التخرج.
ثم إن القضية لا تقف عند حدود إعداد المعلم فقط، بل تمتد إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والتربوية داخل الجامعات، تلك العلوم التي يُخطئ بعضهم حين يظن أنها أقل قيمة من التخصصات التطبيقية، فالتجارب العالمية الرصينة تثبت أن العلوم الإنسانية ليست ترفًا معرفيًا، بل هي أساس في بناء الإنسان المتوازن القادر على التفكير النقدي وحل المشكلات، وصناعة القرار والابداع والابتكار فيه، وفهم مجتمعه، وتعزيز هويته. وفي زمن تتسارع فيه التقنية، تصبح العلوم الإنسانية أكثر أهمية لا أقل؛ لأنها الحارس الأخلاقي للتقدم العلمي، والموجه القيَمي للتطبيقات التقنية، والوعاء الذي تتشكل فيه هوية الفرد والأمة. ولذلك فإن كليات التربية ليست مجرد مؤسسات إعداد مهني، بل منصات استراتيجية لإنتاج المعلم المفكر، والمربي الواعي، والفاعل الحضاري لبناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر في وطن طموح.
فهل يمكن إعداد طبيب خارج كلية الطب؟ وهل يُتصور تخريج مهندس بعيدًا عن كليات الهندسة ومعاملها؟ وهل يصبح متخصص الحاسب خبيرًا دون أن يتلقى تأهيله في بيئة علمية متخصصة؟ إذا كانت الإجابة بديهية بالرفض في كل تلك المهن، فلماذا يُعد المعلم خارج بيئته الأكاديمية التربوية المتخصصة؟!
إن إعادة طلاب كليات التربية إليها عودة إلى منطق التخصص، وإلى فلسفة الجودة، وإلى فهم صحيح لطبيعة التعليم بوصفه مهنة احترافية لا تقل تعقيدًا عن سائر المهن التخصصية الكبرى. وإذا كنا نطمح إلى تعليم نوعي، ومدارس فاعلة وجاذبة، ومخرجات وطنية قادرة على المنافسة وداعمه للابتكار والريادة فيه، فإن البداية الحقيقية لا تكون من تعديل المناهج فقط، ولا من تطوير المرافق المدرسية، بل من حيث يبدأ التعليم فعلًا: من المعلم، فالمعلم المتميّز يُصنع في كليات التربية.

لذلك ….. أعيدوا لكليات التربية طلابها المعلمين (معلمي المستقبل)…
دمتم بخير وعافية وعطاء لهذا الوطن الغالي المملكة العربية السعودية.

 

• أستاذ أصول التربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى