المقالات

الجامعة بين سوق العمل وصناعة الإنسان

دعاني إلى الكتابة ما يتم تداوله حاليًا في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي حول قيام جامعة الملك سعود بإلغاء بعض التخصصات مراعاةً لاحتياجات سوق العمل؛ لذلك أقول مقتبسًا من كتاب عالم الاجتماع الأمريكي، الأستاذ في جامعة كولومبيا، الدكتور جوناثون كول: «إن مهمة الجامعة ليست تخريج متعلمين، بل تخريج مفكرين ورواد أعمال».

وهذا يعني أن الجامعات لم تُنشأ لتكون مصانع لتخريج الموظفين، ولا مجرد معبر نحو سوق العمل، بل مؤسسات تُعنى بإنتاج المعرفة، وتكوين الوعي، وتطوير الإنسان، إلى جانب الإسهام في مسارات التنمية عبر البحث العلمي المنتج للإبداع والابتكار.

وتقول الحكمة: «تجارب الأولين مرآة للآخرين»، فقد أثبتت التجارب الأكاديمية في العديد من الدول المتقدمة أن الدور الجوهري للجامعات يتمثل في تقديم تعليم عالي الجودة، وبحث علمي منتج يمكن تحويل مخرجاته إلى منتجات تُسوَّق تجاريًا، مع بناء قاعدة معرفية متينة للمجتمع، من خلال مسارات متعددة من الإصلاح والتطوير.

ولتحقيق التوازن بين مخرجات الجامعة وسوق العمل، يجب التأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التخصصات، نظرية كانت أم علمية، بل في تحديثها وتطويرها وربطها بواقع يتجدد سريعًا، في ظل الانفجار التقني المتسارع الذي نعيشه، مع مراعاة القيمة المعرفية والإنسانية لهذه التخصصات.

فالتخصصات الإنسانية، مثل اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع، ليست مجرد برامج أكاديمية، بل هي حاملة للهوية الوطنية، ومشكِّلة للوعي الجمعي، وأداة لفهم المجتمع. ومن ثم فإن إضعافها أو إلغاءها لا يؤثر في سوق العمل فحسب، بل يمتد أثره إلى البنية الثقافية والفكرية للمجتمع على المدى البعيد.

ومن الممكن طرح بدائل تطوير أكثر توازنًا لهذه التخصصات بدلًا من إلغائها، من خلال:
1- إعادة توزيع التخصصات بين الجامعات.
2- التوسع في التخصصات الفرعية.
3- تعزيز التنسيق بين الجامعات لتوزيع الأدوار.
4- استحداث مجالات معرفية مبتكرة.
5- ضبط أعداد الطلاب المقبولين، مع الحفاظ على تنوع الحقول العلمية.

كما أن تحسين مخرجات التعليم يستوجب معالجة جذور المشكلة؛ إذ لا يبدأ الحل من الجامعة فقط، بل يسبقها في الأسرة والمجتمع. فالاختيار الخاطئ للتخصص يُعد من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى ضعف المخرجات.

إن الاعتماد على «السنة التحضيرية» يُعد حلًا جزئيًا يؤجل المشكلة ولا يعالجها؛ لذلك فإن البديل الحقيقي يتمثل في بناء منظومة دقيقة لاكتشاف قدرات الطالب مبكرًا، عبر اختبارات تقيس مهاراته وقدراته المعرفية وميوله النفسية واستعداداته العلمية.

فالتوجيه العلمي المبني على فهم حقيقي لقدرات الطالب يحقق مواءمة أفضل بينه وبين تخصصه، مع مراعاة احتياجات التنمية المجتمعية. وبالتالي، فإن تحسين مخرجات التعليم لا يتحقق بإلغاء بعض التخصصات، بل بتطويرها.

وأختم بالقول: ليس السؤال ماذا نُلغي… بل كيف نُصلح ونطوّر؟.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى