منذ أن رفع أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام قواعد البيت الحرام، وأذّن في الناس بالحج، ارتبطت مكة المكرمة برسالة خالدة تتمثل في استقبال ضيوف الرحمن وخدمتهم. ومنذ ذلك الحين تعاقبت الأجيال على حمل هذا الشرف العظيم، حتى أصبحت خدمة الحجاج جزءاً أصيلاً من تاريخ مكة وهويتها الاجتماعية والثقافية.
وعلى امتداد القرون، تنافست القبائل العربية على نيل شرف خدمة الحجيج، فكانت السقاية والرفادة من أعظم المناصب التي يتطلع إليها العرب. فالسقاية تعني توفير الماء للحجاج، بينما تعنى الرفادة بإطعام المحتاجين منهم والعناية بشؤونهم خلال موسم الحج. وقد ارتبطت هذه الأعمال النبيلة بمكانة رفيعة بين القبائل، لما تمثله من خدمة لزوار بيت الله الحرام.
ومع بزوغ فجر الإسلام ازدادت مكانة هذه الأعمال شرفاً وفضلاً، وأصبحت خدمة الحجاج عملاً يتقرب به المسلم إلى الله تعالى. واستمرت مكة المكرمة عبر العصور مركزاً لاستقبال المسلمين القادمين من مختلف بقاع الأرض، وبرزت فيها أسر وعائلات عرفت بخدمة الحجيج ورعاية شؤونهم وإرشادهم.
ومع توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – دخلت خدمة الحج مرحلة جديدة من التنظيم والتطوير، حيث تحقق الأمن في طرق الحج، وتطورت الخدمات والمرافق، ووضعت الأنظمة التي تكفل راحة الحجاج وسلامتهم، مع المحافظة على الدور التاريخي الذي قام به أبناء مكة في خدمة ضيوف الرحمن.
وقبل ظهور نظام مؤسسات الطوافة الحديث، كانت خدمة الحجاج تعتمد بصورة كبيرة على المطوفين والأسر المكية التي توارثت هذه المهنة جيلاً بعد جيل. وكان المطوف يستقبل الحاج منذ وصوله إلى مكة، ويوفر له السكن والإرشاد، ويصاحبه في أداء المناسك، ويقدم له ما يحتاج إليه من خدمات حتى انتهاء رحلته.
ومن الأسر المكية التي عُرفت تاريخياً بخدمة الحجيج عائلات أبو خشبة، والجبالي، وكامل، والأزهر، والحريري، وقطب، وسيف الدين، والسقاط، ودانش، والهرساني، إلى جانب العديد من الأسر المكية الأخرى التي ارتبطت أعمالها بالطوافة والإرشاد واستقبال الحجاج وخدمتهم. وقد اكتسبت هذه الأسر خبرات متراكمة عبر عقود طويلة، وأصبحت جزءاً مهماً من الذاكرة الاجتماعية للحج في مكة المكرمة.
كما برزت أسر مكية أخرى في مجالات مرتبطة بالحج، مثل توفير المساكن والإعاشة والنقل والخدمات المساندة، مما أسهم في بناء منظومة متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن قبل قيام المؤسسات الحديثة التي تولت هذه المهام بصورة أكثر تنظيماً واتساعاً.
وفي العقود الأخيرة شهدت منظومة الحج تطوراً غير مسبوق، فأصبحت الخدمات تعتمد على أحدث التقنيات والأنظمة الإدارية واللوجستية، بما يواكب الزيادة الكبيرة في أعداد الحجاج. ومع ذلك ظل أبناء مكة حاضرين في هذه المنظومة، مستفيدين من إرث عريق وخبرة تاريخية متوارثة في خدمة زوار بيت الله الحرام.
إن تاريخ خدمة الحجيج ليس مجرد تاريخ لمهنة أو وظيفة، بل هو قصة وفاء وعطاء متواصل، جسدها أهل مكة عبر القرون. وما زالت هذه الرسالة النبيلة تتجدد جيلاً بعد جيل، لتبقى خدمة ضيوف الرحمن شرفاً عظيماً ارتبط بمكة وأهلها منذ دعوة إبراهيم عليه السلام وحتى يومنا الحاضر..



