تظل بعض المواقف راسخة في الذاكرة، لا لأنها حدثت فحسب، بل لأنها حملت معنى إنسانيًا عميقًا يتجاوز حدود العمل الرسمي.
من تلك الذكريات ما ارتبط برفقة العميد الراحل عبدالله عباس المزين – رحمه الله – حين كانت إدارة مرور جدة تقدم نموذجًا مختلفًا في أداء الواجب، يمتد من الميدان إلى مشاعر الناس.
في عام 1411هـ، تشرفت بمرافقة عدد من الضباط، منهم الرائد متعب العتيبي، والرائد المقبل، والرائد الرويلي، في زيارة إنسانية لعدد من المستشفيات التي تستقبل مصابي الحوادث المرورية، مثل مستشفى الملك فهد، والمستشفى الألماني، والمستشفى الوطني. هناك، التقينا بعدد من مديري المستشفيات، من بينهم الدكتور أحمد عاشور، والدكتور حامد مطبقاني، والدكتور صبحي بترجي.
لم تكن الزيارة عادية، فقد جاءت في أيام العيد، حيث تختلط مشاعر الفرح بالحزن لدى المرضى ومرافقيهم. وما إن دخل ضباط المرور وهم يحملون الورود ويبادلون المرضى التحية والسؤال، حتى تبدلت الأجواء، وارتسمت البسمة على وجوهٍ أثقلها الألم. كانت تلك اللحظات كفيلة بأن تُظهر جانبًا آخر من رجال المرور، جانبًا إنسانيًا يلامس القلوب قبل أن ينظم الطرق.
ومن بين تلك المواقف، يبرز اقتراح الرائد متعب العتيبي بزيارة بقية المرضى المنومين، وعدم الاكتفاء بمصابي الحوادث، وهي مبادرة لاقت استحسان الجميع، ورسخت فكرة أن العطاء لا يُجزّأ، وأن الرسالة الإنسانية لا تتوقف عند حدود الاختصاص.
ذلك المشهد لم يكن عابرًا، بل ترك أثرًا عميقًا في نفوس المصابين وذويهم، حين حملت الورود رسالة صادقة من إدارة مرور جدة: “دعواتنا لكم بالشفاء والعودة إلى منازلكم سالمين بإذن الله”. كلمات بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تخفف الألم وتزرع الأمل.
واليوم، لا تزال هذه المبادرات مستمرة، حيث يواصل رجال المرور في جدة، بقيادة اللواء أحمد السريحي، أداء هذا الدور الإنساني في الأعياد والمناسبات، في صورة تعكس التزامًا لا يتغير، وروحًا تبقى حاضرة مهما تبدلت السنوات.
رحم الله العميد عبدالله المزين، فقد كان أحد أولئك الذين أدركوا أن المسؤولية لا تُقاس بالقرارات فقط، بل بما تتركه من أثر في قلوب الناس. وتحية تقدير لكل رجل مرور جعل من عمله رسالة، ومن حضوره طمأنينة، ومن مبادرته إنسانية تُروى وتُحكى



