تعتمد استراتيجية الردع السعودية الشاملة على مزيج متكامل من القوة العسكرية الاستراتيجية والدبلوماسية النشطة، والاعتماد المتبادل اقتصاديا، ترتكز عقيدته الدفاعية على إدارة التهديد، وتحقيق التوازن الاستراتيجي، والانتقال من منطق رد الفعل إلى مفهوم صناعة الردع وصناعة الفعل، لفرض الأمن الإقليمي.
انتقلت السعودية من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية إلى تطوير قدرات ردع ذاتية ومستقلة، إلى جانب عقد شراكات دفاعية متقدمة لتعزيز الردع الممتد، بسبب انها وجدت ان الاعتماد الكلي في كل أزمة على تدخل القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة لم يعد خيارا مضمونا بل ومكلفا كتجربة احتلال العراق للكويت، لذلك لم تسمح لإيران باحتلال البحرين في 2011 وأرسلت جيشها بشكل استباقي إلى البحرين منعت من احتلاله حتى لا يكون الاحتلال على غرار الكويت، واستدعاء قوات أجنبية مكلفة لتحرير البحرين كما حدث مع الكويت، إلى جانب أنها أبرمت اتفاق دفاعي مع باكستان أعاد صياغة معادلة ردعية جديدة في المنطقة ومتغيراتها.
تستند الفلسفة الاستراتيجية السعودية إلى ربط أمن الطاقة العالمي بالمصالح السيادية، تفعيل خطوط أنابيب بديلة وموانئ بديلة تكسر حاجز تهديد غلق المضايق خصوصا وأنها تشرف على مضيقين وقناة سويس قابلة للتهديد وغلقها وقت الحروب والأزمات، هذا النهج الذي اتبعته السعودية شل قدرات الخصم، جعلها تتحكم في ضبط النفس، وامتصاص الضربات الإيرانية دون الانجرار إلى تصعيد غير محسوب، وفي نفس الوقت تمكنت من تأمين الامدادات العالمية من الطاقة، يسمى بالردع الهادئ والدبلوماسية الاستباقية، وتحجيم تأثير الفواعل، وخلق بيئة إقليمية مستقرة تدير الصراعات بحنكة سياسية.
السعودية تطور دورها من قوة ردع إلى صياغة هندسة التوازن الاستراتيجي، خصوصا بعد التغير الكبير الذي أصاب المشهد العام للمنطقة بعد احتلال العراق، وضع السعودية أمام تحديات كبرى، مكن الاحتلال إيران من ملئ الفراغ الأمني والسياسي، وتوظيف جماعات ومليشيات مسلحة لخدمة سياساتها في المنطقة، وتحويل الشيعة من جماعات دينية واجتماعية إلى أحزاب وحركات سياسية وعسكرية، تخدم أجندتها الطائفية في كافة المنطقة، يمكن تحريك هذه الأحزاب والمليشيات للوقوف في وجه أي مشروع سياسي وأمني يحفظ أمن المنطقة العربية والخليجية، مستثمرة التردد والفشل الذي اعترى السياسات الأمريكية خصوصا في فترة أوباما خصوصا اعتراف أمريكا بالنووي في أبريل 2015 وهو ما اعتبرته السعودية تحديا لا يمكن القبول به، ما دفعها إلى المواجهة المباشرة مع وكلائها في اليمن بعاصفة الحزم في 21 أبريل 2015، وكذلك تشكيل تحالف إسلامي ضد الإرهاب في 15 ديسمبر 2015، وتشكيل قمة عربية إسلامية أمريكية في 20 مايو 2017 لتحقيق التوازن مع إيران.
ما أقلق أميركا أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 15/3/2018 شبه المرشد الإيراني الذي لديه مشروعه الخاص بالتوسع في الشرق الأوسط بأدولف هتلر الجديد الذي أراد التوسع في أوروبا، وقال إن السعودية قادرة على الحصول على النووي إذا فعلت إيران الشئ نفسه في مقابلة أجراها مع قناة CBS الأمريكية أن السعودية لا تريد الحصول على أي قنبلة نووية، لكن من دون شك إذا طورت إيران قنبلة نووية فسنحذو حذوها في أسرع وقت ممكن، وأشار إلى ان إيران ليست منافسة للسعودية، جيشها ليس من بين الجيوش الخمسة الأوائل في العالم الإسلامي، فضلا عن أن الاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني، وإيران بعيدة عن أن تكون مساوية للسعودية، منذ ذلك الوقت اخذت مديات الصراع أبعادا أمنية وعسكرية واستخباراتية أوسع على جميع المستويات، الردع السعودي قوة حاضرة لا تحتاج إلى استعراض، لا تختبر قدرتها على الرد.
بحثت السعودية بدائل عن أميركا التي تلعب على الصراع في المنطقة باعتبارها استراتيجية للسياسة الخراجية الأمريكية، فلجأت إلى التهدئة مع إيران خصوصا بعدما وجدت بكين ضامنا لتهدئة بينها وبين إيران في 10 مارس 2023 شكل زلزالا سياسيا في دخول الصين الى المنطقة، بل تراه أميركا تحولا جيوسياسيا أضعف النفوذ الأمريكي التقليدي في الشرق الأوسط، وأربك حسابات إسرائيل الأمنية والسياسية تجاه طهران، وتتجلى انعكاسات هذا الاتفاق على واشنطن وإسرائيل في تراجع النفوذ والهيمنة، وقدرة الصين على لعب دور الوسيط الدبلوماسي، وحلحلة الأزمات في منطقة لطالما كانت تحت النفوذ الأمريكي الحصري.
مما اعتبره مراقبون تراجعا لمكانة واشنطن كقوة في منطقة الشرق الأوسط، وتغير ديناميكيات التحالفات التي عكست تنوع الشركاء، وتوجه المنطقة نحو سياسة صفر مشاكل، لكن تراه واشنطن انه اتفاق على حساب مصالحها وسياساتها القائمة على عزل طهران، كما يعزز الاتفاق مصالح الصين الاقتصادية، وطمأنتها على إمدادات الطاقة نظرا لاستيرادها النفط من كلا البلدين، وتسببت الاتفاقية في انهيار خيار التحالف الإقليمي وتقويض المصالح الإسرائيلية لبناء جبهة عربية موحدة تقودها واشنطن وتل أبيب لعزل إيران وضربها، يؤدي إلى تعقيد مسار التطبيع، مما أفرز عن تحول المواجهة بين السعودية وإيران إلى المواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يعتبر نجاح للدبلوماسية السعودية فائقة الدهاء.
قدم قائد القيادة المركزية الأميركية سنتكوم الأدميرال براد كوبر إحاطة وتقريرا رسميا امام لجان الكونغرس بشأن استراتيجية محاصرة إيران وإضعاف قدراتها العسكرية، يتحدث التقرير إلى أن العمليات دمرت نحو 90% من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية المتخصصة في الطائرات المسيرة، والصواريخ، والسفن البحرية، وأن طهران فقدت قدرتها على شن هجمات واسعة ومضيق هرمز بات أكثر أمنا.
انهيار إيران تمثل نقطة تحول تاريخية في موازين القوى الإقليمية، وإيران غير قادرة على بسط نفوذها العسكري خارج حدودها، وهو ما كان يهدد استقرار المنطقة والمصالح الأمريكية بشكل مباشر، وتحديدا بات حزب الله اللبناني، وحركة حماس والحوثي باتوا الآن معزولين تماما عن إمدادات الأسلحة والدعم العسكري الإيراني، وتم تقويض قوة هذه المليشيات، وحرم طهران من استخدام وكلائها كأدوات ضغط ميدانية.
حدد كوبر خلال احاطته امام مجلس الشيوخ ثلاث أولويات استراتيجية للقيادة المركزية في المرحلة الراهنة، وهي الدفاع عن الولايات المتحدة، وردع إيران إلى جانب الحفاظ على موقع القوة الأمريكية في مواجهة التحدي الصيني، وهدف الولايات المتحدة ما بعد الحرب الإيرانية عبر دمج الحلفاء والشركاء في منظومة واحدة، بما يدعم الجهود الدبلوماسية ويزود البيت الأبيض ووزارة الدفاع بخيارات استراتيجية متنوعة.
حذر كوبر ان اختارت طهران الانتقام بدلا من ضبط النفس، يفرض على القوات الأمريكية القدرة على تعديل انتشارها خلال وقت قصير جدا لمواجهة أي طارئ، من المؤكد أن القوات الأمريكية حققت أبعد من الصراع مع إيران، بل حققت الهيمنة على الممرات والطاقة التي تذهب إلى الصين والعالم، فيما إيران رغم ما تمتلكه من مكانة جغرافية لكنها فقدت مخالبها وأصبحت دولة هشة، فقط سلاحها الابتزاز الإقليمي.
دخلت المنطقة مرحلة إعادة معادلة جديدة، لكن لابد ان تمر عبر جغرافيا جديدة، كما بعد سوريا، وبعد انتهاء الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، هناك بروز تحالفات جديدة تقودها السعودية، سوريا مع تركيا لمنع بناء شبكات إرهابية وانفصالية أي منع عودة الإرهاب بشكل مفاجئ يرسم شبكة فوضى جديدة ترسم إسرائيل خريطتها الكبرى من خلاله، في المحصلة تقليل الاعتماد على التدخل العسكري الأميركي، والتحول إلى شراكات امنية متنوعة مع اميركا او غيرها.
منذ طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 تم إعادة تشكيل وتقييم السياسة الخارجية لأمريكا خلال ال30 او ال40 سنة القادمة تقرير نشر في معهد واشنطن قدم لمجلس الشيوخ الأمريكي، قد تكون هناك فخاخ جيوسياسية في مناطق حيوية لصالح الولايات المتحدة، خصوصا بعدما تم نقل قيادات من داعش كانت في سجون سورية وعراقية إلى مناطق في أفريقيا وفي أنحاء متفرقة من العالم لرسم سيناريوهات جديدة تخدم مصالح أميركية ضد مصالح صينية او روسية أو غيرها،.
أي أن الولايات المتحدة تعيد تدوير هيمنتها، وتبحث عن فرص نادرة لإعادة تشكيل المنطقة وفق استراتيجياتها.
لكن السعودية تمتلك الأضواء والمنافسة العالمية، وتتبنى استراتيجية الردع الشاملة، وتدرك ان التردد الأمريكي يحتاج إلى تأمين شامل من القوى السياسية والأمنية بديلا عن التردد الأمريكي، ستكون أمريكا شريكا امنيا، مع التوجه نحو صناعة محاور مع دول عديدة كصناعة محور دفاعي مع باكستان النووية، ومع غيرها، بل إن انهيار إيران سيصب في صالح السعودية في تعزيز الشراكة مع الصين التي تبحث عن موطئ قدم في الممرات التي تحاول أمريكا إزاحتها، فكل قطب يبحث عن مصالحه، والسعودية هي الأيقونة التي تلجأ إليها الأقطاب والقوى الأخرى.
• أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا





