عامالمقالات

عندما يتكامل أصحاب المعالي من الوزراء في إطار رؤية عالمية!

في لحظة فارقة سجلها التاريخ الإعلامي السعودي، لم تعد السماء حداً للتواصل، الأصح أنها تحولت إلى منصة بث مفتوحة تربط الرياض بالعالم. عندما دشّن معالي وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر خدمة الإنترنت عالي السرعة على متن طائرة الخطوط السعودية، لم يكن الحدث تقنياً فقط، الأصح أنه كان إعلاناً عن ميلاد مرحلة جديدة في مفهوم الإعلام الدولي. فمن على ارتفاع 35 ألف قدم، وبينما كانت الطائرة تشق أجواء المملكة متجهة إلى إحدى عواصم العالم، خرج الخبر الأول مباشرة من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى كل الشاشات. هنا لم يكن البث تجربة، الأصح أنه كان حدثاً تاريخياً استثنائياً يُبث على الهواء، ويوثق كيف أصبحت المملكة تصنع الخبر وتبثه من قلب الحركة، لا من استوديو ثابت.

في المقابل، كان الإعلام السعودي حاضراً بجاهزية غير مسبوقة. بقيادة معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري، تحولت غرف الأخبار إلى خلية نحل تتابع اللحظة. لم ينتظر الإعلام وصول الطائرة إلى وجهتها، الأصح أنه تفاعل مع الحدث لحظة بلحظة، فأعاد بثه، وحلله، وترجمه، ووزعه على وكالات الأنباء والمنصات الدولية، ووكالة الأنباء السعودية تنشر خبر التدشين ووكالات الأنباء العالمية تنشر الخبر والحدث التاريخي. هذا هو التكامل الدولي الذي تصنعه رؤية المملكة 2030؛ عندما تلتقي البنية التحتية الذكية التي يقودها معالي الوزير الجاسر، مع الرسالة الإعلامية الاحترافية التي يقودها معالي الوزير الدوسري، وتُعززها المنظومة الرقمية التي يشرف عليها معالي الوزير السواحة، تكون النتيجة تسريعاً غير مسبوق لوصول الصوت السعودي إلى العالم. فالمشهد لم يعد وزارة تعمل بمعزل عن أخرى، الأصح أنه أصبح منظومة واحدة، تبدأ من قرار تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية ليكون منصة عالمية، وتنتهي بخبر سعودي يُقرأ في فرانكفورت ويُشاهد في طوكيو ويُتداول في نيويورك خلال دقائق.

هذا التكامل بين الاتصال والإعلام هو جوهر التحول الذي تعيشه المملكة اليوم. رؤية المملكة 2030 اليوم لا تكتفي بالإنجاز، الأصح أنها تسعى لصناعة بصمة وأثر يستفيد منها العالم بأسره والأجيال القادمة. فالرؤية لا تكتفي ببناء المطارات والموانئ والقطارات، الأصح أنها تبني قبل ذلك كله “مطارات رقمية” في الفضاء، تجعل من كل طائرة سعودية محطة بث دولية. وعندما يصبح الإنترنت متاحاً على متن الخطوط السعودية، فإن المسافر لا يستخدمه للترفيه فقط، الأصح أنه يتحول إلى ناقل للخبر، وشريك في صناعة الصورة الذهنية الجديدة للمملكة. رجل الأعمال الذي يقرأ عن مشروع السكك الحديدية مع تركيا وهو فوق البحر الأحمر، والطالبة المبتعثة التي تشارك خبراً تنموياً مع زميلاتها في مونتريال وملبورن، هما امتداد طبيعي للإعلام السعودي الدولي الجديد. إعلام لا ينتظر ترجمة بكين أو تأويل برلين، الأصح أنه يبث من المصدر، وبلغة العالم، وفي زمن العالم.

إن ما حدث على متن تلك الرحلة يختصر فلسفة الانفتاح العالمي غير المسبوق الذي تعيشه المملكة. فالخدمة الجديدة تتيح اتصالاً سلساً بسرعة تصل إلى 300 ميغابت في الثانية، مع قابلية تطويرها مستقبلاً لتتجاوز 800 ميغابت في الثانية. وشهد معالي الوزير صالح الجاسر ومدير عام مجموعة الخطوط السعودية المهندس إبراهيم العمر المرحلة التجريبية خلال الرحلة رقم SV1044 على ارتفاع 35 ألف قدم، حيث شاهد معاليه مباراة مباشرة من دوري روشن السعودي، وأجرى لقاءً تلفزيونياً مباشراً مع إحدى القنوات الإخبارية، واتصالاً مرئياً مع وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحة. في عصر الثقافات المتعددة، لم تعد القوة للدولة التي تملك الخبر فقط، الأصح أنها للدولة القادرة على إيصال الخبر أولاً، وبالمصداقية التي تفرض احترامها. وعندما يتكامل الجاسر مع الدوسري والسواحة، فإن الرسالة تكون واضحة: المملكة لا تنقل الأخبار، الأصح أنها تصنع الأحداث التي تستحق أن تكون أخباراً. من تدشين الإنترنت في السماء، إلى إدارة المحتوى الإعلامي على الأرض، تتجلى ملامح الإعلام السعودي الدولي الجديد. إعلام لا يخاطب الداخل فقط، الأصح أنه يخاطب الراكب الكندي في تورنتو، والطالب الماليزي في كوالالمبور، والسائح البرازيلي في ريو دي جانيرو، والوزير الجنوب أفريقي في بريتوريا، كلهم في نفس اللحظة.

في زمن التكامل الدولي، لم يعد السؤال “من أين جاء الخبر؟” الأصح أننا نسأل: “كيف وصل بهذه السرعة، وبهذه الكفاءة؟”. الإجابة تكمن في هذا المشهد الاستثنائي الذي سجله التاريخ: وزير نقل يدشن تقنية تواصل على متن طائرة، ووزير اتصالات يمكّن البنية الرقمية لها، ووزير إعلام يحول هذه التقنية إلى قوة ناعمة عابرة للقارات. هذا هو المعنى الحقيقي لرؤية 2030 عندما تتحول من وثيقة إلى ممارسة، ومن طموح إلى واقع يُبث على الهواء مباشرة.

الحدث الذي انطلق من مطار الملك خالد الدولي لم يهبط في مطار وجهته فقط، الأصح أنه هبط في وعي العالم. والأجيال القادمة عندما تفتح سجلات هذا التحول، ستجد أن هناك يوماً تكاملت فيه البنية التحتية الرقمية السعودية مع الرسالة، والتقنية مع المحتوى، والجاسر مع الدوسري والسواحة، فكتبوا معاً فصلاً جديداً في كتاب الإعلام الدولي. فصلاً عنوانه: المملكة لم تعد تتابع العالم، الأصح أنها أصبحت جزءاً من غرفة تحكمه الإعلامية، تبث من السماء، ويتداول الأجيال ما صنعته على الأرض.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى