أي تعب أثقل على الروح من ثرثرة لا تنقطع؟
أصبحنا في زمن الكلمة فيه كالماء الجاري، لا نكف عن الصب خوفاً من أن يقال عنا: سكت فجُهل. نتكلم لنثبت وجودنا، وندافع عن آرائنا، ونملأ الفراغ بضجيج لا يسمن ولا يغني. حتى صار السكوت عندنا تهمة، لا عبادة.
وفي تراثنا معنى دقيق غفلنا عنه، سماه السلف “صيام الصمت”. فهلا وقفنا معه وقفة متأمل؟
صيام الصمت هو إمساك اللسان كما يمسك الصائم عن الطعام والشراب. انتبه… ليس صمت العي ولا عجز البليد. إنه صمت البصير الذي أدرك أن كثرة الكلام مظنة الزلل، فاختار لنفسه طريق السلامة.
وأما التجربة فأهون مما نظن. لا أطلب منك اعتزال الناس شهراً، إنما جربه ساعة واحدة بعد الفجر. أطبق شفتيك، وأطلق سمعك وقلبك.
في أول الأمر سيثقل عليك، وستجد الأفكار تتزاحم في صدرك كأنها تطلب منفذاً. وهذا طبيعي، فاللسان إذا تعود الجريان عز عليه الوقوف، كما أن المعدة إذا ألفت الأكل كل حين استعجلته وإن لم تجع.
اصبر. فمع كل كلمة تمسكها عن جدال عقيم تنمو فيك إرادة لم تكن تعرفها.
وإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. كان طويل الصمت قليل الضحك، كما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه. لم يكن إمساكه غفلة عن الخلق، بل كان حضور قلب معهم. يسمع فيعي، وينظر فيفهم، ولا يفتح فاه إلا بخير أو ليسكت. فكانت هيبته من وقاره، ومحبة أصحابه له من إنصاته قبل بيانه.
فتعلم الصحابة منه أن المجلس الذي يكثر فيه اللغو مجلس ثقيل على الملائكة قبل البشر، وأن العاقل من وزن كلامه بميزان الذهب قبل أن يخرجه من فيه.
والتطبيق يبدأ من عتبة دارك. قبل أن تنطق قف وقفة محاسبة واسأل نفسك ثلاثاً: أهو حق؟ أهو ضروري؟ أهو أوانه؟ فإن اجتمعت فتكلم، وإن اختل ركن فأطبق فمك. وإن غضبت فاجعل السكوت دواءك الأول، فإن الكلمة في ساعة الغضب جرح لا يندمل بيسير. ولعمري، ما أكثر ما أصلح الإمساك من فساد أفسده اللسان.
وللإمساك ثمرات يجنيها من ذاقها:
أولاً: حفظ اللسان، وهو أخطر جارحة على ابن آدم. فبالسكوت تنجو من الغيبة والنميمة والمراء، وتصون ماء وجهك عند الناس.
ثانياً: جلاء الذهن وصفاؤه. فكثرة الكلام تبدد الفكر وتشوشه، والإمساك يجمع شتات القلب ويرده إلى مركزه. وكم من مسألة أعيَتك كان حلها يكمن في صمتك عنها لا في كلامك عليها.
ثالثاً: راحة القلب. فالصامت لا يتعب نفسه بالتبرير، ولا يقحمها في معارك كلامية لا طائل من ورائها. قد سلم زمام لسانه لعقله ودينه فنام قرير العين.
قال لقمان الحكيم لابنه كلمة من ذهب: “يا بني، إذا افتخر القوم بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك”.
فلا تظن أن المراد بالإمساك الخرس والبكم. كلا، إنما المراد أن تعرف متى يكون الكلام عبادة فتتكلم، ومتى يكون السكوت عبادة فتصمت.
من اليوم، اجعل لك ورداً من الإمساك: اصمت دقيقة كل ساعة، اصمت إذا استفزك جاهل، اصمت إذا لم يكن عندك علم تفتي به. جرّبه أسبوعاً واحداً فقط، ثم انظر إلى قلبك.
فوالله لترين لسانك كيف يلين بين يديك، وقلبك كيف يمتلئ سكينة بعد طول اضطراب. ولعلنا إذا تدربنا على “صيام الصمت” كنا ممن قال فيهم النبي الكريم: “رحم الله امرأً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم”.
اللهم أطلق ألسنتنا بذكرك، وقيدها عن كل ما لا يرضيك.





