في قلب المشاعر المقدسة، حيث تلتقي الجموع المليونية في بقعة جغرافية وزمنية محددة، برز “قطار المشاعر المقدسة” ليس كأداة نقل فحسب، بل كأحد أعظم الحلول الهندسية والبيئية التي قدمتها المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، مجسداً طموحات “رؤية 2030” في تحويل رحلة الحج إلى تجربة ذكية، آمنة، ومستدامة.
ازاحة 70 ألف حافلة واستعادة المساحة؟
قبل سنوات، كانت طرقات منى وعرفات ومزدلفة تكتظ بآلاف الحافلات التي تملأ الأفق ضجيجاً وعوادم. اليوم، وبفضل قطار المشاعر، تم الاستغناء عن نحو 70,000 حافلة، مما أدى إلى تحرير مساحات شاسعة كانت تشغلها المواقف والمبيت. وتقدر هذه المساحات بنحو 320,000 متر مربع، خاصة في مشعر منى الذي يتسم بضيق مساحته الجبلية؛ هذه “الأرض المحررة” لم تظل خالية، بل استُغلت بذكاء لتطوير مخيمات إضافية ومرافق خدمية ترفع من جودة إقامة الحجيج في المشاعر.
لغة الأرقام: كثافة هي الأعلى عالمياً؟
لم يكن موسم حج 1446هـ (2025م) مجرد رقم عابر، بل سجل القطار نقل 1.87 مليون راكب عبر 2154 رحلة، مع استهداف مستمر لتجاوز حاجز المليونين سنوياً. ومع قدرة استيعابية تصل إلى 72 ألف راكب في الساعة للاتجاه الواحد، يُصنف “مترو المشاعر” كأحد أكثر أنظمة النقل كثافة في العالم، حيث يضم أسطولاً من 17 قطاراً، بطول 204 عربات، تعمل بتناغم تقني فائق الدقة.
من 3 ساعات إلى 20 دقيقة.. رحلة “مترو المشاعر”؟
يظهر الفرق الجوهري للقطار عند مقارنته بالنقل التقليدي في أوقات الذروة (النفرة والتصعيد):
بين منى وعرفات (17 كم): يقطعها القطار في 20 دقيقة، بينما كانت تستغرق الحافلة سابقاً ما بين ساعة إلى 3 ساعات.
والمسافة بين عرفات ومزدلفة (6 كم): في الوقت الذي قد تقضيه الحافلة في زحام النفرة لأكثر من 3 ساعات (180 دقيقة)، ينهي القطار الرحلة في أقل من 15 دقيقة.
هذا الفارق ليس مجرد “توفير وقت”، بل هو توفير للجهد البدني والنفسي، مما يتيح للحاج التفرغ التام للعبادة والسكينة.
قصة النجاح من الصفر كربونيًا إلى القمة تنظيميًا؟
في عالم يصارع التغير المناخي، يقدم قطار المشاعر نموذجاً مثالياً لـ “الحج الأخضر”. كونه يعمل بالطاقة الكهربائية بنسبة 100%، فإن بصمته الكربونية “صفرية”. إن إزاحة آلاف الحافلات التي تعمل بالوقود لا يعني فقط تخفيف الزحام، بل يعني حماية رئتي الحجاج من الانبعاثات السامة والجسيمات الدقيقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الصحة العامة، خاصة لكبار السن والمرضى فضلا عن تقليل الضوضاء.
رؤية مستقبلية: طموحات التطوير؟
لا تتوقف الطموحات عند التشغيل الحالي؛ إذ تجري النقاشات ضمن خطط التطوير المستمرة لزيادة التردد الآلي للرحلات، وتوسعة المحطات التي تضم حالياً نحو 60 باباً لتسهيل تدفق الحشود. كما تبرز تطلعات لربط هذا النظام بمشروع “مترو مكة” المرتقب، لخلق شبكة نقل متكاملة تبدأ من وصول الحاج وتستمر معه حتى مغادرته.
الآمال معلقة في أن تنجح هذه التحسينات في إزاحة حوالي 50 ألف باص متبقية لا تزال تساهم في التكدس والتلوث واختناقات مرورية وإجهاد الحجاج.
“الحج الأخضر”، هدف قريب المنال؟
القطار أسرع
بكثير (غالباً 3-10 أضعاف السرعة الفعالة للباص في أوقات الذروة)،
ليظل قطار المشاعر قصة نجاح سعودية تستحق أن تروى، فهو لم يختصر المسافات فحسب، بل اختصر سنوات من التحديات البيئية والمرورية، ليؤكد أن “خدمة ضيوف الرحمن” هي المحرك الأول للابتكار فوق تراب هذه الأرض المقدسة.
والآمال تتعاظم خلال المرحلة الأخيرة من رؤية 2030 لنصل إلى حج بلا إنبعاثات كربونية.


