المقالات

الانتصار العقيم في الشرق الأوسط؟!

تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة هي من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها المعاصر، حيث تتشابك الحسابات السياسية مع التصعيد العسكري، وتتصاعد التساؤلات حول جدوى “الانتصارات” التي تُحقَّق على الأرض، لكنها تظل خالية من الثمار الاستراتيجية الحقيقية، سواء على صعيد الاستقرار الإقليمي أو تعزيز الأمن والسلام الدائمين.

الفجوة المتسعة بين طهران والجيران؟

إيران أطلقت 4911 صاروخاً ومسيّرة باتجاه دول الخليج خمسة أضعاف ما أطلقته على إسرائيل
معظمها تم اعتراضه من قبل دفاعات الخليج، لكن بعضها أصاب أهدافاً هي
منشآت طاقة حيوية مما رفع أسعار النفط40٪، وفي قلب هذا الاضطراب، يبرز سؤال حاسم: هل خسرت إيران تعاطف دول الخليج نهائياً؟ لقد باتت التصريحات الرسمية الخليجية واضحة في إعلان نفاد الصبر تجاه السياسات الإيرانية العدائية المتكررة، محذرة من أن استمرار هذه الممارسات لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة طهران. ورغم إعلانات إيران المتكررة عن رغبتها في تحسين العلاقات مع الجيران على لسان المرشد الإيراني ورئيس الجمهورية، فإن الواقع على الأرض يُظهر فجوة ثقة متسعة، تجعل هذه التصريحات تبدو أقرب إلى الخطاب الدبلوماسي التكتيكي منها إلى استراتيجية عملية حقيقية.
ويبدو أن طهران أخطأت في تقدير الصبر الاستراتيجي الذي أبدته دول الخليج على مدى سنوات طويلة، حيث سعت هذه الدول إلى تجنب التورط في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها الجوهرية. لكن تكرار الاعتداءات على منشآت الطاقة، وتهديد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، وضع هذه الدول أمام تحدٍ يتفاقم يوماً بعد يوم، وقد يدفعها في لحظة ما إلى إعادة تقييم سياسة ضبط النفس التي اعتمدتها طويلاً.

مفارقات المشهد الإيراني؟
من أبرز المفارقات في المشهد الحالي أن إيران – رغم امتلاكها قدرات عسكرية تُعتبر عاملاً مؤثراً في موازين القوى – وتستطيع استهداف العمق الإسرائيلي تصر على توسيع دائرة التوتر بدلاً من تقليصها. وهذا التوجه قد يخدم، بشكل غير مباشر، أجندات خصومها، إذ يهدد بجر المنطقة برمتها نحو مواجهة أوسع نطاقاً، مما قد يفرض على دول الخليج خيارات استراتيجية لم تكن تخطط لها، وربما يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية بطريقة غير متوقعة.
وفي خضم هذا الصراع، تُروج بعض الأطراف لقراءة طائفية للأحداث، لكن هذه النظرة تبدو تبسيطية ومضللة إلى حد كبير. فالجوهر الحقيقي للصراع يتجاوز الانقسامات المذهبية، ليصبح صراعاً على النفوذ والمصالح الاستراتيجية المعقدة، ويشمل أبعاداً جيوسياسية واقتصادية وعسكرية متعددة.

تحديات أمنية واقتصادية متصاعدة؟
على الصعيد الأمني، تواجه إيران بخلاف التفوق العسكري لخصومها تحديات داخلية خطيرة، تتمثل في اختراقات أمنية حساسة أدت إلى استهداف شخصيات قيادية مؤثرة، مما أحدث تصدعات داخل دوائر صنع القرار. ووصلت إلى العمود الفقري للنظام وفي المقابل، فإن الرهان على انهيار سريع للنظام أو انتفاضة شعبية واسعة لم يتحقق حتى الآن، ما يكشف عن قصور في تقديرات أمريكية بنيت على معلومات إسراييلية مضللة.
ورغم كثافة العمليات العسكرية، أكثر من 16 ألف ضربة نفذتها أميركا وإسرائيل تبقى نتائج الحرب محل جدل واسع. فما يُروج له من “إنجازات” يقتصر غالباً على الخطاب الإعلامي، دون ترجمة ملموسة على الأرض. وبمرور الوقت، بدأت هذه السرديات تفقد مصداقيتها حتى داخل الدوائر الداعمة لها، في ظل غياب حسم استراتيجي واضح حتى الإدعاء بأن إسرائيل لا محالة منتصرة لأن الحرب بمباركة ومشاركة أميركا بدأ يفقد صلاحيته في الشارع الإسرائيلي!
واقتصادياً، أدخل الصراع العالم في حالة من الضبابية الشديدة، مع توقعات بارتفاع التضخم العالمي بشكل غير مسبوق نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وتقلب أسعار الطاقة. ويزداد الوضع تعقيداً مع احتمال خروج الصراع عن السيطرة، في غياب إرادة سياسية دولية حقيقية لاحتوائه. وهذا الفراغ يفتح الباب أمام التيارات المتشددة لتوسيع نفوذها، وربما إعادة طرح خيارات خطيرة مثل التسلح النووي وضرورة امتلاك طهران للسلاح النووي بزعم أن فتوى تحريمه قد وراها الثرى مع صاحبها ولم تحم إيران من الإعتداء!
ولا يمكن تجاهل البعد الإنساني الكارثي لهذه الحرب، التي ألحقت معاناة واسعة النطاق بالمدنيين، وهددت الأمن الغذائي لملايين البشر ودفعت بخمسة وأربعين مليون إنسان للفقر الحاد، وعطلت حركة التجارة العالمية، خاصة عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.

فوضى استراتيجية ومآلات غامضة؟
في ظل تعدد الأطراف وتضارب المصالح، يصبح من الصعب تحديد من يدير الصراع فعلياً، ومن يحدد مساراته. وهذه الفوضى الاستراتيجية تجعل المآلات غامضة، وتثير تساؤلاً جوهرياً: هل كان العالم أكثر استقراراً قبل اندلاع هذه الحرب؟ كانت هناك فرص دبلوماسية حقيقية، بما في ذلك مؤشرات على استعداد إيراني لتقديم تنازلات في الملف النووي. أما اليوم، فقد تقلصت الأهداف إلى مسائل تكتيكية ضيقة، مثل تأمين الملاحة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى نقطة ارتكاز حاسمة في الصراع على موازين القوى.
كما أن بعض الممارسات الدولية – خاصة في المجال الإعلامي – تثير تساؤلات جدية حول حرية التعبير، مع ضغوط متزايدة من إدارة ترمب على وسائل الإعلام لتبني روايات محددة، مما يعكس تحولات مقلقة في البيئة السياسية باتجاه جمهوريات الموز.

دول الخليج: ضبط النفس إلى متى؟
ورغم كل التحديات، تواصل دول الخليج التمسك بسياسة ضبط النفس القصوى. لكن السؤال المفتوح يبقى: إلى متى يمكن الاستمرار في هذه السياسة دون أن تفرض الوقائع تحولاً جذرياً في المواقف والاستراتيجيات؟

في النهاية، يجسد ما يجري في الشرق الأوسط اليوم نموذجاً كلاسيكياً لـ”الانتصار العقيم”: حتى أصبح التدمير والقتل والخراب مرادف الانتصار الذي يترك خلفه واقعاً أكثر هشاشة واضطراباً، ويولد تحديات أكبر وأعمق مما كان موجوداً قبل اندلاع الصراع. وهذا النوع من “الانتصارات” لا يبني سلاماً، بل يزرع بذور صراعات وفتنة أكثر تعقيداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى