لقاءات رمضانية

الشيخ المورعي : أميّت المصلين بالتراويح وأنا رابع ابتدائي

تواصل صحيفة مكة الإلكترونية لقاءاتها الرمضانية ، والإلتقاء بعدد من الشخصيات المجتمعية الفاعلة لنستعيد معهم ذكريات الماضي وبداياتهم العملية في تلك الحقبة الزمنية الهامة .
ضيفنا اليوم الشيخ الدكتور أحمد بن نافع المورعي ، نتعرف معه على بعض الجوانب من حياته العملية.

 

– في البدء نتعرف على ابن مكة المكرمة.
أحمد ابن نافع المورعي الحربي أستاذ مشارك بجامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين قسم الكتاب والسنة وإمام وخطيب جامع فقيه بحي العزيزية بمكة المكرمة متزوج والحمدلله ولي أربع من الأبناء و أربع من البنات.

-في اي حارة كانت نشأتكم؟
في جرول ريع الرسام، انا جروليّ ماحييت..! نعم.

– أين تلقيتم تعليمكم؟
الابتدائي في المدرسة الخالدية في جرول والمتوسطة في أم القرى والثانوية كانت في مكة الثانوية والمرحلة الجامعية أم القرى تخصص كتاب وسنة.

– ماذا بقي في الذاكرة من أحداث عشتم معها عراقة الحارة؟
جرول ..أيام الذكريات الجميلة فما أتذكره في جرول بدايةً الكتتايب التي كنا نذهب إليها ونتعلم فيها وكانت تدرسنا امرأة فاضلة من بيت الغزاوي كنا نسميها “غزاوية “وهي أخت شاعر الملك فيصل – يرحمه الله – وكنا نكتب على الألواح بالطباشير وكانت أيام جميلة تعلمنا فيها كيف نكتب الحروف ثم انطلقنا إلى حفظ كتاب الله عز وجل.

– في مرحلة الطفولة العديد من التطلعات المستقبلية ماذا كنتم تتطلعون حينها؟
تذكر تلك الأيام كانت هنالك أغنية مشهورة “أنا بدي أصير طيار” فكنّا كلنا نحلم بأن نكون طيارين وهذا يدل على أن الإعلام يؤثر في التوجه و كان هذا حلمي في الطفولة.

 

– تربية الأبناء في السابق بُنيت على قواعد صلبة ماهي الأصول المتعارف عليها في ذلك الوقت؟
الأب كان مربي والأم كذلك، والدي توفي وأنا في المتوسطة رحمة الله عليه ولكن والحمدلله عاشت معنا الوالدة وكانت نعم المربية وكانت هنالك شدة.. ولكن كانت شدة وقسوة في محلها وكانت الوالدة الله يرحمها أول وثاني مرة إذا أخطأت تنبهك ثم الثالثة تقرصك فيحتاج الابن أحيانًا إلى الشدة ! فالوالدة كانت تعلمنا والوالد كان يأخذنا إلى الأسواق ويوقظنا حتى في رمضان للصلاة ..أو يأخذنا لنقضي مقاضي الفطور وكان كل يوم بيومه عكس الآن.. وحتى الإخوان الكبار والجيران والمعلم كانوا جميعهم مربيين الجميع كنا نحس بأنهم أسرة واحدة.

– في تشكيل صفاتكم ساهمت الكثير من العادات والتقاليد ماهي أبرزها؟
عادة الصدق فالذي يكذب في ذلك الوقت يضرب ضربًا مبرحًا..فنشأنا على هذه العادة الجميلة وأيضًا عادة مساعدة الآخرين فمثلًا إذا خرجت من الحارة وحصلت باب بيت أحد من الجيران ووجدت “الزمبيل” أمام الباب عيب أن تتركه وتمشي ! وما تنظر إلى ما داخله لترى ما يحتاج من في البيت لأن وجود “الزمبيل” كان يعني أن هنالك أرملة داخل البيت لا تستطيع الخروج..وتعلمنا الحشمة كان عرض الجار يعتبر عرضًا لنا أيضًا فكان من المستحيل أن تجد أحدًا يتعرض أو يؤذي جاره.

 

– الأمثال الشعبية القديمة لها اثر في النفس ماهي الأمثال التي رسخت في ذهنك؟
٨-الأمثال كثيرة وأناشخصيا أحب الأمثال ومن أكثر الأمثال التي أحبها هي: “مد رجلك على قد لحافك” ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد” هذه من أكثر الأمثلة التي أثرت علي في حياتي..فكنا مقتنعون برزقنا وإذا طلب منّا شىء لا نؤجله إلى الغد.
– أين كان لشخصكم أول محطة في الحياة الوظيفية وآخرها؟
أول محطة في جامعة أم القرى عندما تعينت معيد، تخرجت من الجامعة عام ١٤٠٢هـ وصدر قرار من مدير الجامعة بتعييني معيدًا.
– شهر رمضان وشهر الحج من المواسم الدينية المميزة حدثنا عنها
رمضان تحس به بحلاوة ولذة الصيام وتعاون أهل الحارة فكنا قبل المغرب.. تطبخ الوالدة قدر كبير من الشوربة ولا تطبخ شئ غيره ! وقبل المغرب تعطيني الشوربة لأعطيها جيراننا وكل ما أعطيهم الشوربة يعطوني صنف من الطعام فتأتي للسفرة تجد مالذ وطاب ! ولكن للأسف انقطعت هذه العادة الآن.. وحتى الحج كنا نؤجر بيتنا ونعيش مع الحجاج نطعمهم ويطعمونا نهديهم ويهدونا.
– تغيرت أدوار العُمد في الوقت الحاضر وأصبحت محددة كيف كان دور العمد سابقًا وخاصة في حارتكم ؟
للأسف العمدة الآن لم يعد له أي مكانة! ولكن سابقًا كان العمدة بمثابة رئيس الحارة ويعرفها فردًا فردًا ويوجه وينصح وحتى عند المشاكل يحلهّا العمدة ولكن الآن كبرت الحارات ولا يلام العمدة.

-القامات الاجتماعية من تتذكرون منها والتي كان لها حضور ملفت؟
على رأس الجميع في الحارة كان الشيخ محمد نور سيف رحمه الله، كان الجميع يهابه وإذا دخل الحارة أي حليق لحية يهرب منه ! وإذا وجد أحدا حليق للحية يوبخه ويعاتبه..! وأنا أتذكر الوالد الذي كان أكبر من الشيخ أخذني مرة لزيارته فلما دخلنا للشيخ نزل الوالد وسلم على قدم الشيخ.. ! كان للشيخ تقدير واحترام وهيبة وكانوايعتقدون أن الحارة محفوظة به !.
– هل تتذكرون موقف شخصي ولن تنسوه؟
لايحضرني والله الآن.
– المدرسة والمعلم والطالب ثلاثي مرتبط بالعديد من المواقف المختلفة هل تعرفونها ببعضٍ منها؟
أهم عنصرفي عملية التعليم هو المعلم، صحيح جميع العناصر لها دور ولكن جميعنا كنا ندرس في مباني مستأجرة ولكن المعلم دائمًا هو الأساس، كان المعلمون قدوات.. وكانوا يحسسونا بأننا أبناءهم.. وحتى عندما كانوا يضربوننا كنت تحس بأنه يضربك من خوفه عليك فكانت حتى الضربة متقبلة منه !.
– كثرت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر وأصبحت مرافقة للناس في كل مكان ماهي الوسائل المتوفرة لديكم في السابق وما أثرها على المجتمع آنذاك ؟
ما كان عندنا إلا التلفزيون والراديو وكنا نسمع لأخبار العرب والتلفزيون كان أسود وأبيض فقط.. والساعة العاشرة يغلق، ولم يكن لها نفس الأثر مثل الآن.. فكانت مجرد أدوات تلقي أخبار عند وجود الأحداث لكن اليوم تفتحت على أبنائنا مواقع التواصل الاجتماعي وفيها خير لو استطاعوا أن يستثمروا مافيها من خير.. فالمعلومة تأتي الآن في وقت قصير جدًا..وعندما ادخل إلى الجامعة وأجد شبابنا يحملوا اللاب توب أفرح على استغلال هذه الأشياء في الخير والمعرفة.

– تظل الأفراح محطات لا تنسى في الحارة، ماذا تتذكرون من تلك اللحظات السعيدة وكيف كانت؟
من أجمل اللحظات لحظات الفرح في الحارة، فأكل اللحم كان نادرًا في الحارة !، وعيش أبو اللحم والمعمول الذي كان مرة واحدة في السنة فقط ! وحتى الطعم اختلف الآن، وحتى الطعام كان كل يوم بيومه.
– الأحزان في الحياة سنة ماضية كيف كان لأهل الحارة التخفيف من وقعها..؟
سواءً في الأفراح أو الأحزان أهل الحارة كان لهم حضورٌ ومساعدة ففي العزاء إن لم يكفي بيتك يفتح لك أهل الحارة بيتهم ويعاونوك في الطعام والمؤونة هذا يعطيك خمس فناجيل قهوة وهذا يعطيك كاستين شاهي وهذاك يعطيك تبسيين..، وكان إذا هنالك عزاء لا أحد من أهل الحارة يشغل التلفزيون ولمدة ثلاث أيام تعاطفًا معك.. عكس الآن يشغل جارك التلفزيون وتسمع أصوات الموسيقى!.

 


– الأحداث التأريخية الشهيرة في حياتكم والتي عايشتها..هل تتذكرونها وما الأبرز من تفاصيلها؟
هناك موقف تأريخي لي شخصيا..وهذا الموقف أثر علي كثيرا..وهو أنني كنت أحفظ القرآن الكريم في المسجد أنا وولد أخي وولد أختي ثم بعد ذلك جاء إلي ابن أخي وابن أختي وقالوا “أيش رأيك يا أحمد نبطل التحفيظ !؟” واتفقنا ثلاثتنا على ترك التحفيظ وكنا نلعب الكرة ثم نذهب للمسجد لكي نشرب الماء من الزير وكنا ننتظر الأستاذ ينظر إلى الجهة الأخرى؛ لنشرب .. وأراد الله يومًا من الأيام أن يلتفت إليّ الأستاذ ويراني وهذا كان بفضل من الله تعالى سبب سعادتي وهدايتي وكان للأستاذ “نور عليم الدين مياه” فضل كبير بعد الله في ذلك ووجهني ونصحني ثم عدت إلى التحفيظ وحفظت القرآن وأنا عمري عشر سنوات وصليت التراويح بالناس وأنا رابع ابتدائي وهذا يدل على أهمية الصاحب والمعلم الموجه وهذه نصيحة أوجهها إلى أبنائي أن يختاروا أصحابهم؛لتوجيههم إلى الخير بإذن الله.
– ماهي الألعاب الشعبية التي اشتهرت بها حارتكم؟
البرجون والشرعة والمدريهة الخشب والمزمار على الرغم من عدم مشاركتي فيه والركض ايضًا.
– لو كان الفقر رجلاً لقتلته مقولة عظيمة لسيدنا علي رضي الله عنه هل تروون بعضًا من قصص الفقر المؤلمة؟
مقابل هذه المقولة العظيمة مقولة أخرى تقول: لاعيش كالتدبير، أتذكر عند موت الوالد كنت في الصف الثالث المتوسط وأكبر الأبناء..وما ترك لنا الوالد شيئًا من ناحية النقد وكنت الوحيد الذي أنفق على العائلة وكانوا يعطوني أربعمائة ريال.. وكان مبلغ رائع جدًا والوالدة كانت مدبرة.. فالأربع مائة ريال كانت تعيشنا عيشةً كريمة ثم بعدها بسنة أصبحت نائب أمام فأخذت أربعمائة ريال أخرى ثم اشتركت في تحفيظ القرآن وكسبت ألف ريال.. ففرحت الوالدة جدًا وأخذتني إلى سوق الغزة واشترينا مفرشة ضخمة وفرحنا جدًا بها ! وكأن الدنيا حيزت لنا فلاعيش كالتدبير.. ومما أتذكره أنها تعمل فكنا نذهب إلى التاجر المعروف سليمان المشاط نأخذ منه الغتر وأحضرها للوالدة تعمل عليها عمل حرفي.. وكان يعطيني على الغترة من ريالين إلى خمس ريال وكان هذا المبلغ جيدا في ذلك الوقت.
– ماذا تودون قوله لسكان الحارة القديمة؟
جماعة كبيرة منهم موجودة..وجماعة منهم توفى خاصةً كبار السن وأسأل الله أن يرحمهم ويغفر لهم وأقول للموجودين وحشتونا على الرغم من وجود بعض التواصل ووجود المحبة والأخوة بيننا.
– وماذا تقولون لأهالي الأحياء الجديدة؟وماذا يعجبكم فيهم؟
أكثر شيء يعجبني فيهم اللقاء الأخوي الشهري الذي يحدث مع إمام المسجد بين صلاتي المغرب والعشاء أو تناول طعام العشاء وأوصي الجميع بالمحافظة على الصلاة في المسجد.
– كيف تقضون أوقات فراغكم في الوقت الحالي؟
٢٣- وقت الفراغ غير موجود تقريبًا؛بسبب كثرة الأعمال كارتباطي الإعلامي في إذاعة البرنامج الثاني تحت اسم ندوة “هُنا مكة المكرمة” ولدي حوالي ألف وخمسمائة حلقة كل حلقة نصف ساعة ولي ثلاثون سنة تقريبًا فيها.. ومن “أمام الكعبة” كل خميس وبرامج أخرى في الإذاعة والتلفزيون ودروس القرآن في المسجد.
– لو عادت بكم الأيام ماذا تتمنون؟
الله عز وجل من علي بنعم كثيرة وفضل كبير ولله الحمد وما أراده الله كان خيرًا .. فعندما تخرجت من الثانوية كنّا جميعًا نريد تخصص الطب ولكن توفى والدي وقالت لي والدتي”تتركني لمين!؟” فتركت الطب ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا، فتركت الطب وتوجهت إلى الشريعة والحمدلله، وحتى أتذكر أنني عندما ذهبت أقدم إلى كلية الشريعة قال الموظف “ياولدي إيش جابك عندنا؟ أنت علمي وممتاز وشريعة ؟ إتقي الله” ! أصريت عليه فأخذ ملفي وهذا من فضل الله عز وجل.
– صراحةً..ما الذي يبكيكم في الوقت الحالي؟
بعد الآباء عن الأبناء، ضياع الجيل، عند وجود انحراف عند الكثير من الشباب نحو الفواحش والمخدرات ولكن ألوم الآباء،أحرص على ابنك وإذا أراد الزواج فزوجه، أيضًا أتمنى أن تقلل مدة الدراسة، والمواد في معظمها هي نفس الدراسة فينهي الجامعة في عمر ١٨ سنة بسن الزواج، بدل أن يتخرج بسن ثلاث وعشرين بدون وظيفة وبدون أن يتزوج!.
– ماذا تحملون من طرف جميلة في دواخلكم؟
من فرحة تعييني معيدا.. وبعد صدور القرار من مدير الجامعة..حيث كانت جامعة أم القرى تابعة لجامعة الملك عبدالعزيز وكنت فرحا فأردت الدخول بالسيارة لأول مرة إلى داخل الجامعة ونسيت البطاقة فقال لي حارس الأمن :
ماذا تريد ؟ ومن أنت؟ قلت له: أريد أن أدخل أنا عميد مع الفرحة..!؟بدلا من أقول له أنا معيد..والحمد لله على وشك التقاعد ولكن مازلت أستاذ مشارك.

– لمن تقول لن ننساكم؟
لمعلمنا في تحفيظ القرآن الكريم الأستاذ نور الدين علي مياه ولوالدي قبل ذلك رحمهم الله ثم أيضًا لمعلميني في المدرسة وعلى رأسهم مدير مكة الثانوية سابقًا ومدير الفلاح حاليًا الأستاذ عبدالله باحاوي ولا أنسى فضل أبي الثاني الشيخ إبراهيم الحليس وفضل كل من أسدى ألي معروفًا.

– ولمن تقول ما كان العشم منكم؟
لاشك بأن الدنيا مليئة بهذا وذاك ولكن كانت اللحظات السعيدة هي الأكثر والأغلب فلن أقول ما كان العشم..ولكن سأقول الله يسامحنا ويسامحكم ويغفر لنا ولكم.

– التسامح والعفو من الصفات الإنسانية الراقية، لمن تقول سامحونا ولمن تقول سامحناكم؟
للجميع، لكل من أخطأت بحقه أطلب منه المسامحة في الدنيا والآخرة وأنا مسامح للجميع إن شاء الله.

– في ختام لقاء ابن مكة الماتع دكتور أحمد المورعي ماذا ترغبون بالحديث عنه بكلمة اخيرة؟
أتمنى أن يصلح الله أحوال الأمة في كل مكان وهذه المشاكل القائمة بين المسلمين أن تنتهي وتزول وأسأل الله أن ينصر جنودنا المدافعين الذين يضحون بالغالي والنفيس من أجلنا ومن أجل هذا الدين العظيم وأسأل الله أن ينصرهم ويعزهم وأن يعجل بالفرج ويسدد رميهم وسهامهم وأقول لهم أن والله ما تقومون به من أشرف الأعمال وأنه أفضل من قيام ليلة القدر عند الكعبة،كما أتوجه أن يحفظ علينا قيادتنا الرشيدة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وولي ولي عهده وأن يرزقهم البطانة الصالحة ويوفقهم إلى مافيه خير للإسلام والمسلمين، وجزى الله كل خير صحيفة مكة الإلكترونية والأخ عبدالله الزهراني الذي هو من خيرة الناس الذين عرفتهم وجزاك الله كل خيرا أخي عبدالرحمن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى