إيوان مكة

“لعبة المتشردين”

 

أنا فتاةٌ في السابعة ِو العشرين من العمر ، متشردة بشوارع أمريكا ، الطقس بارد ، لا طعام ولا شراب ، لا مأوى ولا أصدقاء ، لا أحد يحبني فمعظم الناس يشمئزون من منظري المزري وملابسي الممزقة .

هربت قبل سنوات من ملجأ للأيتام بسبب الكبت و الضياع الذي كنت اشعر به ، فلا أحلام ولا حرية  أو بهجة تحت تلك الأسقف المتصدعة  ، عليّ دوماً تغيير الأرصفة التي آوي إليها حتى لا أتعرض للأذى ، فالجميع يبدو متضايقاً من وجودي .

وبالطبع مع بطانيتي الزرقاء البالية التي تصدّق أحدهم عليّ بها في ليلة باردة  ، الأحذيةُ هي أكثر ما أراه وأنا مستلقية على جنبي الأيمن كل يوم ، اكشف عن عيناي قليلاً فأرى الكثير منها تمر أمام ناظري ، منها ما هو صغير أو كبير ، أبيض وأسود ، وردي وأزرق وملون ، فاخر وبسيط ، رياضي ورسمي ، أما فردتا حذائي الممزقتان و المختلفتان عن بعضهما فلم أرى مثلهما أبداً .

الساعةُ الآن الثانية ظهراً ، أشعر بالجوع الشديد ، فآخر وجبة كانت من نصيبي هي حسنة ٌتصدّق بها علي ّ رجل ٌ مُسن ليلة البارحة ، ماهذا ؟ لقد تعرّضتُ للسرقةِ مجدداً ، فالكوب الذي أضعه أمامي ليعطيني الناس مما جادت به أنفسهم اختفى مرةً أخرى أثناء غفوتي الصغيرة ، ياللغضب ، كيف يجرؤ البعض على سرقة الفقراء ؟ لم يعد مهما فقد اعتدت على ذلك .. سأنهض لأتجول قليلاً.

آه ! الشمس قويةٌ رُغم برودة الهواء ،  أشعر بالدوار ولكن ماهذا الضوء الذي أمامي  ،  هل هي مرآة ؟ أسرعتُ ناحيتها لأتأمل وجهي الذي لم أنظر إليه منذ عدة أيام  ، يالهذا !

كنتُ في الأصلِ جميلةً جداً ،  إلاّ أن آثار الكدمات الظاهرة وعلامات الضرب الذي تعرضت له من أحد أصحاب المحلات بسبب نومي عند عتبة بابه قد أفسد كل شيء .

أخ لو أمتلك بعض المال الإضافي فقط ؟! استدرت بيأس لأكمل طريقي المجهول ، ولكن ماهذا الصوت ؟ هناك بعض الضوضاء القادمة من جانب الشارع الآخر .

نظرتُ فإذا بفتاةٍ صغيرةٍ تعمل منظفةً للأحذية ، نٓهرٓها أحد الأغنياء بعد تنظيفها لحذائه الفاخر ولم يعطها أجرها بحجة أنها لم تفعل ذلك بالشكل المطلوب.

لكن ما أدهشني حقاً هو تصرف الفتاة التي استدارت بهدوء منتظرة زبونا آخر ، شعرت بالفضول قليلاً فأسرعتُ إليها وسألتها مباشرة ؟ لماذا لم تتعلقي كثيراً بأخذ أجرك ؟

فأجابت مع ابتسامةٍ واثقةٍ أنا معتادة على ذلك ولا يمكنني مقاومته كثيراً حتى لا أتعرض للأذى الذي قد يمنعني من إكمال عملي ويعرضني لخسارة كل ما أحمله معي من مال.

لقد تعرضت للضرب ذات مرةٍ من أحد المتسكعين ولكن لا بأس ، فأغلب من أخدمهم يدفعون لي بكرامة ، ولا أريد السماح لأولئك المتسلطين بتضييع وقتي كثيراً أو اشغالي عن هدفي .

_ لديك هدف ؟

_ بالطبع ،  أسعى لعمل مرموق وحياة كريمة ، بل أطمح لأصبح ثريةً جداً وأساعد الناس الاخرين .

ألتفتت الفتاة لعملها بينما وقفتُ أنا بدهشةٍ ثم جلست متكئة على عمود الأنارة أراقبها من بعيد ..

ترى هل يكفيها ما تجمعه ؟ لماذا تُرهق نفسها مادامت قادرةً على السؤال ؟

لحظة ! يجب أن يكون السؤال هكذا : لماذا لم أفكر أنا بالعمل مثلها مادمت قادرة على العمل ؟بقيت انظر اليها حتى اقتربت الشمس من المغيب ونهضت الفتاة فنهضت خلفها ، مشت الفتاة بقدميها حتى وصلت الى حي فقير جدا ، ثم دخلت أصغر منزل رأيته في هذه المدينة على الاطلاق ! بل كان اكثرها تهالكاً وقدماً.

وما أن أغلقت الباب حتى أسرعتُ خلفها وطرقت الباب ففتحت مباشرة ً هل هذه أنتي ؟ لماذا لحقتي بي ؟

لم أعرف بما أُجِيبها ولكن أول ما تردد على لساني في تلك اللحظة : هل لديك شيء لآكله ؟ فقد نال الجوع مني بالفعل .

_ أجل ، لدي بعض الخبز ثم فتحت الباب مرحبة بي ، يالهذا ! انه ليس منزلا .. هذه فقط احجار واخشاب مع طين متشكلة على هيئة علبة ! الارض تبدو مبتلة من أثر المطر الذي هطل منذ يومين ، توجد قطعة حصير صغيرة في الزاوية  مع بطانية خشنة ، كيس على الجانب مع جرة فخارية صغيرة ، يبدو الوضع مُزرياً  ! لكن هذا قطعاً أفضل من قضاء الليالي و الايام على الطرقات  .

قدمت الي رغيف خبز فكان اشبه ما يكون بقطعة طين متصلبة ، ألا يمكنك شراء خبز جديد من مالك الذي جنيته ؟

_ بلى افعل ذلك أحياناً ، لكنني الآن أتاهب لتغيير عملي ، اشتريت هذا المنزل حديثا ببعض المال الذي جنيته من تنظيف الاحذية منذ سنوات .

أما اليوم فقد اكملت المبلغ اللازم لشراء ملابس مناسبة تؤهلني للعمل كنادلة في مطعم ، لابد أن أجري الجديد سيكون كافياً لشراءِ ماكينة خياطة أستطيع من خلالها ممارسة هوايتي المفضلة ليلاً والتكسب عن طريقها بعد ساعات عملي  .

ثم ربما سأتمكن من تجربة عمل أفضل ،فأنا أحب تصميم الأزياء كثيرا ! ثم بعد ذلك أوه أنا اسفة يبدو انني استغرقت في احلام اليقظة  ،  كما انه ليس علي التحدث كثيرا قبل ان اكمل ماهو بمتناولي الان  ، كنت انظر الى الفتاة باهتمام ، كان وجهها مشرقا وكل ماتحدثت به بدا رائعاً .

هي لم تملك ما لا املكه  ، بل أن جسدها الهزيل يبدو أضعف مني بكثير ، لم ألمس في كلامها الشكوى أو اللوم لكنني وجدت في عينيها طموحا لم يسبق لي ان رأيته في عيون الاغنياء الذين قد يرحلون عن هذه الدنيا دون أن يهتم لأمرهم أحد.

وضعت رغيف الخبز معبرة عن اكتفائي  شكرتها ومضيت في طريقي مبتسمة أفكر بطريقة للإستفادة مما لدي أيضاً .

توقف قليلاً عزيزي القارئ ، الحقيقة أن كل ما رويته لك من وحي الخيال ، فلا نحن من جرب الجوع و العطش ، ولا التشرد والنوم في العراء .

نحن فقط لم نسعى كثيرا للاستفادة من انفسنا مع أن الأمر كله مجرد ” لعبة ” كرقعة الشطرنج تماماً ولم نلعبها بذكاء ،فقط كنا نطالب ونبحث بيأس عن مصباح الوظيفة السحري ! ثم نرقد متجاهلين بذلك معظم امكانياتنا و هواياتنا التي نحبها ونتقنها فعلاً  ونكتفي بإلقاء اللوم على الآخرين .

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. مقالة رائعة جداً استطعتِ من خلالها إحاطتي بتلكك الأجواء التي يغلبُ عليها البؤس حتى اشتممت رائحة الحي التي تشبه رائحة البيض الفاسد عذراً على ذلك التشبيهه ولكن بالرغم من ذلك وجدتني أبحث بين الركام عن حلم نائم لم يحن موعد استيقاظه , أراني وجدته مثلما سيجدهه كل شخص مثلي إن بحث بين الركام ولكن السؤال الذي بات يقلقني متى سأبدأ بإزالة الركام لأرى ذلك الهدف جلياً ! شكراً منار لأنك لمستِ فينا خللاً و أبيت إلا أن تقوميهه.. المزيد من المقالات الرائعة أنتظرها منكك بكل شغف ~ رحلة موفقة 🙂

  2. عزيزتي ،، المقالة في قمة الروعة
    جعلتني ألتمس من خلال وحي خيالك
    أن النجاح في يد فقط من يؤمن بالله اولاً ثم بقوة تفائله التي تجلب له المستحيل
    لا من يتحسر عن حال أصابه ويصيبه البؤس والإحباط فيما بعد
    جميل جداً المقال
    فيها رسالة غير مباشرة لنشر طاقة التفائل في النفس
    أحييك بشدة ، وأشد على يديك أن تكملي في هذا المشوار
    لتصلي إلى الأفضل دوماً
    سلمت أناملك
    وسلمت مخيلتك
    ???

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى