
كان اليوم هو ثاني أيام العيد كنت أشعر بالضجر من الجلوس في المنزل , قررت أن أنزل لأتمشى قليلا وأشاهد المدينة في العيد, لم أنزعج عندما وجدت طوفانا من البشر والسيارات تملأ الشوارع فالزحام سمة أساسية للعيد, ولكن هناك شيئا اخر أفسد عليّ نزهتي الصغيرة, تسللت إلى أنفي رائحة كريهة جعلتني أرغب في التقيؤ , عرفت مصدر الرائحة عندما رأيت أتلالا وأكواما من القمامة مكومة في الشوارع والحشرات تحتفل حولها ,غطيت أنفي بيدي نظرت إلى المارة من حولي فرأيتهم يسيرون بجوارها في هدوء وعلى وجوههم ابتسامات عريضة كأنهم يسيرون بجوار حديقة غناء , أثارت ابتساماتهم صدمتي وسألت نفسي هل العيب في أنفي أم في أنوفهم؟
أدركت أنني لم أحتمل السير بجوار القمامة مثلهم ليس لأنني أمتلك حاسة شم قوية ولكن لأن قدرة الناس على التقزز من رائحتها اختفت بعد أن تعودوا على شمها لمدة طويلة, فالإنسان يملك قدرة سريعة على التكيف مع تغييرات البيئة المحيطة به , وهذا ما يجعله قادرا على تحمل الحرارة والصقيع والضجيج والظلام والزحام.
مشكلة التعود إنه يجعل الأشياء الجميلة عادية والأشياء القبيحة مقبولة , يجعلك تتوقف عن الانتباه لصوت القطار إذا كنت تسكن بجواره و تتوقف عن الانبهار بمنظر البحر إذا كنت تسكن أمامه , كما أن قدرة الإنسان على التعود قد تبلغ أحيانا مراحل خطيرة ومرعبة.
هذه القصة تظهر السرعة التي يمكن أن يتعود بها الإنسان مع أي شيء مهما بلغت بشاعته و فظاعته في سبيل أن يبقى على قيد الحياة ,البقاء هو هدف الإنسان الأهم و هذه الرغبة هي التي جعلتهم يتآلفون مع رائحة القمامة مثلما جعلتهم يتآلفون مع كل شيء قبيح وفاسد حولهم.
فكلمة ” عادي ” صارت تلتصق بسرعة بكل شيء خاطئ يقع أمامنا, عادي أن تستيقظ يوميا على خبر انفجار أو حادثة, عادي أن (يركب) ابنك (اتوبيس )المدرسة ثم يخرج منه جثة متفحمة, عادي أن تتعرض سيارتك للسرقة ثم يطلب منك أن تتفاوض مع اللص.
تكيفنا مع الواقع القبيح جعلنا نتوقف عن الاندهاش من الظلم والفساد والانحطاط , وقتل بداخلنا أشياء كثيرة, قتل ضميرنا ومبادئنا وقيمنا وجعل فطرتنا تلتوي فأصبحنا نرى الخطأ صوابا و القبح جمالا والجبن ذكاءً والخداع شطارة والنفاق مجاملة واليأس حكمة والخضوع احتراما, بل أصبحنا نلوم المظلوم إذا طالب بحقه, ونلوم الضحايا لأنهم يشتكون ويعترضون لأننا نريدهم أن يعانوا ويتألموا في صمت, و نهاجم من يفكرون في التغيير ونشكك في نواياهم وأهدافهم, ذلك لأنهم فشلوا في تقبل رائحة العفن مثلنا بصدر رحب.
الشيء الذي لا ندركه هو أن تكيفنا مع الواقع لن يحافظ على بقائنا لأن الواقع يزداد قبحا وسوءا وانحطاطا
لقد تحول الواقع إلى وحش يخرب كل شيء ، يتغذى على دماء أطفالنا وشبابنا, وحش لا يعشق إلا اللون الأسود ولا يطربه إلا صوت البكاء والنحيب ولا يسعده إلا الجلوس في سرادق العزاء, فمتى سنفيق وندرك أن التكيف مع الواقع هو السبب في بؤسنا وأنه سيكون السبب في فنائنا؟
متى سندرك أن الهروب والإنكار والتعود ليس الحل وأن السبيل الوحيد أمامنا للانتصار في معركة البقاء هو الوعي والتغيير .
تعالوا لنرمي أسبال بالية من الاشياء التي تعودنا عليها وأرهقتنا و نبدأ في التجديد .





