
في مرسمي المزدحم بالأصباغ واللوحات المهملة التي تبحث عن اكتمال محتمل ..
تناولت لوحة جديدة وبدأت بخربشاتي العشوائية، وابتسامة لا أدري سببها!
بدأت رحلتي مع ألواني .. أخذت اللونين الأبيض والأسود وقمت بمحاولة دمج أعصى الألوان .. دمجهما مضن ومجهد ونتائجه غير متوقعة وساحرة ..
لا أدري كيف قفزت إلى ذهني تلك الصورة المقيتة التي أحاول محوها .. تتمثل أمامي وتطاردني كل حين رغم محاولاتي المستمرة لوأدها ..
ذلك الطفل الصغير وهو يعبر الطريق أمامي وآخر يناديه (تأخرت ..افتح يا عبد) لمحت الانكسار والألم على محياه .. هذا المشهد لم يختفِ من خيالي وكأنه شبح يلاحقني…
أعدت التأمل في لوحتي لحظات .. كل الألوان تتماهى وتتفاخر وتجد لها مكاناً في الطبيعة والمناظر الخلابة وبينها انسجام ، ويبقى اللون الأسود بسيطرته وجماله ملك الألوان ..
بينما أنا غارقة في الألوان ومدى انسجامها خيل إلي أنه يهمس لي .. تمثل لي كائنا ما ..
خربشة كبيرة على شكل يد .. تمتد .. تقترب مني .. وصوت يهمس: أنا هو ….
وتتردد صدى كلمات لم أفهمها ..
بعدها لا أدري كيف توقفت عن الرسم لحظتها ، ولا متى , لكنني صحوت وأنا في سريري ، ولا أدري متى وكيف نمت !
هل كان حلما !؟ نفضت رأسي في محاولة لطرد تلك الأفكار السوداء ..
آه يا إلهي هل قلت: سوداء ؟
يبقى هذا اللون عصيا وفاتنا ..
أنظر إلى الساعة .. إنه وقت الاستعداد للعمل وهذا اليوم مهم وحضوره ضروري ..
في الصباح انطلقت لعملي مبكرة في تمام الساعة السابعة لأن المدرسة على موعد مع افتتاح معرض كبير للفنون والرسم .. كان الشغف يراودني لرؤية المواهب والإبداعات من طالباتنا وطلابنا ..
كنت أراقب عقارب الساعة ببطءٍ شديد خشية أن يبدأ الافتتاح وأنا مسترسلة في الشرح، رن المنبه الذي سبق وضبطته لهذا الغرض ، هرولت مسرعة ، دخلت المعرض وبدأت أتجول في ردهاته ، وكالعادة تكررت الموضوعات الجميلة ما بين (حب الوطن) و(العلم) و(الفقر) و(البؤس)و ( حب الأم) …
وووو
بين الخيبة والخذلان والتكرار والمتوسط, وكعضو في لجنة التحكيم كان يتوجب علي المصداقية والموضوعية.. أكمل المسير وأحاديث النفس هنا وهناك ، والبحث عن الأصالة والجدة؛ فإذا بلوحة واحدة مذهلة كسرت القاعدة، استوقفتني كثيراً واستوقفت كل من مر بها ..!
لوحة من نصفين ، نصفها الأول لعدد من الجثث منقولة في شاحنات معدة لنقل الفضلات ، والنصف الآخر لجثث في مقبرة جماعية .. مقابر الغرباء ..!
الجثث متكومة فوق بعضها البعض , مجموعة كبيرة من الموتى , منهم من تظهر جمجمته المهشمة وكأنها تسخر من هذا العالم الوضيع !
ومن بعض الجثث تظهر الأيدي كمصافحة أخيرة .. وتظهر أكوام الأرجل الراكلة لحياة لا كرامة فيها .. جثث سمراء ردمت بشكل عشوائي في شاحنة الموت تمهيدا لدفنها في مقبرة جماعية..
وحدها الجثث تعلم السر .. سر هذه الرؤوس الصغيرة التي ستدفن .. أقول ربما ستدفن , فأنا لا أعلم .. هي متسمرة في اللوحة ..
هذا العدد يوحي بالبشاعة التي كانت وراء هلاكهم ورصفهم بهذا الشكل المهين..
كانت اللوحة مابين اللون الرصاصي والأسود والأبيض، وأسفل اللوحة جهة اليمين كتبت عبارة (أنا لا أوقع أنا أبصم) وبجانبها بصمة أصبع صغير ثم ذيلت بحرفين (ش. ش )
دهشت مما رأيت ، كنت أشعر أنّ هذه اللوحة هي نتاج خبرات سيئة أو مؤلمة قد مرت بها أو مر بها صاحبها .. لا يمكن نقل الوجع بهذه الدقة إن لم نتذوقه ..
سألت عن صاحب اللوحة , فأشاروا إليها ..
شابة في مقتبل العمر , دنوت منها بابتسامة تخفف وطأة اللقاء الأول ..وتؤهل للدخول في حديث فني لمعرفة حكاية هذه اللوحة المشحونة بالمشاعر القاتمة ورائحة الموت ..
بادرتها: أنتِ فنانة .. لكن .. ألا ترين أنك أصغر من هذا الوجع الذي تحمله رسمتك ؟
ألم تبالغي في …..
قاطعتني : أنا لم أنقل كل التفاصيل .. لقد اكتفيت ببعض الألم .. وبعض الوجع فرض كفاية ..
تنهدت وهي تكمل : هل تعتقدين أن الحياة عادلة !
وهل من حق بشر أن ينهي حياة بشر أو حتى حيوان ؟
ألم نخلق لنحيا .. ونحب .. ونعيش .. هذا ما نتعلمه ونعلمه ، لكن هذه ليست الحقيقة ..
الحياة مليئة بالسوء .. مليئة بالمقابر ..
حتى صدورنا صارت مقابر .. مقابر للحرية .. مقابر للحب , مقابر للرغبات المختلفة , نحن نكبح جماح كل شيء جميل فينا ربما خجلا منه أو خوفا عليه .. بينما نطلق الشر في كل اتجاه وبكل فخر واعتزاز ..
استدارت وغادرتني .. وأنا في ذهول وصمت ! وفي رأسي تدور علامات الاستفهام والتعجب ..
متى تعلمت هذه الصغيرة كل هذا ؟
ما هي التجربة المريرة التي جعلتها بهذا الوعي الموجع ؟ !
من هي ؟ حتى اسمها غير واضح على اللوحة .. مجرد حروف ( ش . ش ) ..
أعود إلى المنزل مرهقة ، كان يوما حافلا وملهما ..
عبثا أحاول الاسترخاء , أفكاري لا تهدأ ..
أغلق الستائر والإضاءة ، وأحاول الاستسلام لهذا السكون والظلام .. لعلي استجمع شتاتي ..
أغمض عيني ..
يهمس لي : هذا السواد الذي يسكننا لن يزول بسهولة .. !!








القصة التي كتبتها د. شيمة الشمري ومنشورة في هذه الصفحة. مدهشة اسلوبا وعرضا ومكثفة طرحا ومتماسكة بناء. الله يوفقها.
فعلا السواد الذي يسكننا لن يزول، بالضرورة كل شي جميل وقد احسن كل شي صنعه إذا أين القبح هو ذالك السواد بداخلنا.
دام هذا العطاء والوهج الفكري