الثقافية

الرافعي/ الحكمة في أجمل بيان


كتبهُ علي بن نايف الشحود
نبذة عنه:
• سوري الأصل، مصري المولد، إسلامي الوطن والعقيدة .
• نئی ثقافته بعصاميته وقراءاته من كتب التراث والقراءات المترجمة
• وضع القرآن الكريم والبلاغة النبوية في المرتبة الأولى من ثقافته وفكره.
• عاش كفافا في طنطا بعيدا عن أضواء الصحافة.
توطئة:
في صباح يوم الإثنين العاشر من مايو (1937م) فقدت الأمة
الإسلامية ركنا من أركان الأدب العربي، وأديبا من أبلغ من عرفت من أدبائها، وكاتبا في الطبقة الأولى من كتّابها ، منذ أقدم عصورها، ذلك
هو “مصطفى صادق الرافعي”، رحمه الله.
عاش الرجل في فترة ارتفعت فيها دعاوى التجديد، ومحاولة سلخ الأمة عن هويتها، فآلى على نفسه أن يجعل من قلمه سلاحا يذود به عن هذه اللغة، وحربةً يحمي بها حياضها؛ من أجل أن يهزم اللسان العربي هذه العجمة المستعربة، وأن يعيد إلى لغة القرآن مكانتها المرموقة.
*ثقافته وتأثره بالتراث*
على الرغم من أن “الرافعي” درس اللغة الفرنسية في المدرسة الابتدائية إلا أنها لم تجد عليه إلا قليلا، بل أخذ “الرافعي” ينمي ثقافته
بعصاميته، وقد وضع كتب التراث أساسا ومحورا لها بالإضافة إلى بعض القراءات المترجمة، لكن ظل التراث نبعًا ثرا ينهل منه حتى إنه استطاع بفضل الله أن يكتب
“تاريخ آداب العرب”، من وحي
ذاكرته التي جمع فيها شتات قراء اته.
وهذا ما أشار إليه الأستاذ
سعد العريان، في مقدمة كتابه “حياة الرافعي”، حيث قال: “وهممت أن أسأل الرافعي، ولكني لم أفعل،
وهممت أن أعرفه بنفسي فلم أبلغ، ثم عزوث ذلك إلى ذاكرة الرافعي
وسرعة حفظه، فقلت: متفرقات قد عرفها في سنين متباعدة فوعتها حافظة واعية، وكان مستحيلا عليه أن يجمعه، لو لم تجمع له الذاكرة من ذات نفسها”.
وهكذا وصل “الرافعي” بعمق ثقافته في التراث إلى أن يكتب كتابا من ذاكرته، يقع في ثلاثة مجلدات، وما هو إلا توفيق الله له؛ أعانه على أن يبعث أروع الأدب في هذه الأمة من جديد .
ويتضح هذا من خلال قوله لأحدهم: “وما أرى أحدا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكمًا نافذا بالأشغال الشاقة الأدبية
كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية، فاحكم على نفسك بالأشغال الشاقة سنتين أو ثلاثا في سجن الجاحظ، أو أدب أبي العلاء المعري أو غيرهما”.
ومن هنا نلمس كيف كان “الرافعي” حريصا على أن تكون كتب التراث في مقدمة ثقافة الدارسين للغة والآداب؛ حتى يرتكز الأديب على ركن
أصيل، وتراث زاخر يحميه من كل الأفكار الوافدة التي قد تعصف به، وتجعل منه لسانًا للعجمة، كما حدث مع الكثرة ممن انسلخوا من تراثهم وحاولوا أن ينالوا من هذه اللغة ومن أصالتها. وقد وقف
الرافعي لأصحاب تلك الدعوات بالمرصاد، وقامت بينه وبينهم معارك أدبية، خاضها مدافعا عن العربية والإسلام دفاع المستميت.
*سمات أدب الرافعي*:
نستطيع أن نبين أهم السمات والملامح التي مر بها أدب الرافعي
كما يلي:
*أولا: الأصالة الإسلامية*:
من أولى السمات وأبرزها وأوضحها في آداب الرافعي، السمة الإسلامية، وهي تتضح منذ نشأته وحتى مماته. فبيته الذي نشأ فيه غرس فيه الروح الإسلامية، وظل ناشئا معها محاطا بها في كل أطوار حياته، ونرى الښمة الإسلامية في نقده وثقافته، وفي إبداعه؛
وذلك ما يدل على أنه كان يبتغي وجه ربه في كتاباته، ومن هنا علق على نشيده “ربنا إياك ندعو” فقال: “إني أعلق أملا كبيرا على غرس هذه المعاني في نفوس النشء المسلم”. فالرجل لم يكتب لشهرة، ولا
المال ولا لمنصب؛ وإنما كان الإسلام هو دافعه وموجهه.
*ثانيا: أصالة المعاني والألفاظ*:
إن من يقرأ أدب الرافعي ويتمعن في سمو معانيه ودقة ألفاظه يقول:
إن هذا الرجل لم يعش في القرن العشرين؛ وإنما عاش معاصرا للجاحظ وابن المقفع وبديع الزمان. والدليل على ذلك أنه ما وجد أديب معاصر له قارب أسلوبه أو لغته أو فنه. وكان هذا دافعا لوجود
أعداء كثيرين له، بل لقد عاداه الكثير من أدباء عصره حيا وميتا،ولم يذهب واحد من خصومه معزيا أهله في وفاته، إلا رجل واحد كتب برقية إلى ولده ؛هو الدكتور “طه حسين”.
*لماذا يحاولون إهالة التراب على أدبه؟*
حاول الكثيرون ممن لهم مصالح في انسلاخ الأمة العربية من جلدها
إهالة التراب على هذا الرجل وعلى أدبه؛ لأنه آثر الأصالة والإسلام والمروءة، ولأنه لم ينافق في أدبه ولم يداهن، ولم يبتغ إلا ارتقاء هذا الدين واللغة التي أنزل بها.
ونحن لا نكتب عن الرافعي من منطلق رافعي، لكنها تذكرة لهذه الأمة للمحافظة على مكانة الأدباء فيها، ولا ينكر وجود الشمس إلا من بعينيه رمد.. فأي إنصاف وأي عدل في أن يهمل مثل هذا الرجل،
وأن تهيل عليه التراب.
فيا من تغارون على العربية والإسلام، إن هناك أديبا عاش مدافعا عن العربية والإسلام طيلة حياته، ولم يجد من أمته إلا التجاهل والتناسي غمطا لحق، ومحاولة لطمس معالم أديب اسمه
“مصطفى صادق الرافعي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى