
في المسجد الحرام ، أم المصلين ، إمام وخطيب المسجد الحرام ، الدكتور فيصل جميل غزاوي. حيث تحدث في خطبة الجمعة ، عن
فضل الله على عباده أن جعل منهم سباقين في فعل الخيرات، مقدمين في إحراز شرف السبق في القربات، أوائل في المحاسن والفضائل وهم للناس قدوات، يصدق عليهم قول رب البريات: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات)، فكانوا هداة مهديين ومن عباد الله المخلَصين، نالوا بسبقهم الرتبة العليّة والمكانة السنية. وهذا من أكبر نعم الله على عبده أن يكون إماما يهتدي به المهتدون ويأتم به المتقون ويسلك طريقَه السائرون.
فمنهم من أشاد الله بسبقه إذ قال جل في علاه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، فهؤلاء العظماء كانوا بأوليتهم مشاعل هدى لغيرهم وقدوات خير لمن بعدهم.
وفي الصَّحِيحَيْنِ عنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنه قال: (اختَتَنَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة بالقَدُوم) وقد أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أولُ من اختتن، ثم تتابع الأنبياء على ملة إبراهيم عليه السلام، ومنها فعل هذه الفطرة الإسلامية بأن استمر الختان بعده في الرسل عليهم السلام وأتباعِهم.
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه مسلم في قصة إسلام أبي ذر الغفاري إذ قال رضي الله عنه: (كنت أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام فقال وعليك ورحمة الله) فحظي هذا الصحابي الكريم بهذا الفضل أن كان أول من ألقى التحية على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تحية الإسلام تحية أهل الجنة التي ينبغي أن نحرص على إفشائها ولا نستبدلَ بها تحية أخرى ولا نكتفي بغيرها عنها فهي التحية الأولى وأشرف التحيات وأكرمها، فلما قال وهب بن عمير رضي الله عنه في حواره مع النبي صلى الله عليه وسلم “أَنْعِمْ صَبَاحًا -وَهِيَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ-” قَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدْ أكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ تَحِيَّتِكَ وَجَعَلَ تَحِيَّتَنَا السَّلَامَ وَهِيَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: إِنَّ عَهْدَكَ بِهَا لَحَدِيثٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ بَدَّلَنَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا) رواه الطبراني.
ومن السبق في الخير ما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (أول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص) فَفي الحَديثِ مَنقبةٌ ظاهرة لِسَعْد رَضي الله عنه بِبَلائِه وسابِقَتِه في الإسْلامِ ودفاعه عن حياض الدين وذوده عن حماه، وقد كان سعد رضي الله عنه يعتز بهذا الشرف فيقول: (إني لأولُ العرب رمى بسهم في سبيل الله) متفق عليه، وكان النبي يوم أحد يستخرج سهام كنانته ينثرها لسعد قائلا: (ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي) كما جاء في صحيح البخاري.
ومن أمثلة ذلك ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ) فهو أول من غيّر دين إبراهيم ودعا إلى الشرك وعبادة الأصنام، فكان جزاؤه أن يَجُرَّ أمعاءَه في النار عقوبة له وزجرا لكل من يعمل بعمله.
ومن ذلكم ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: “لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إلَّا كانَ علَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ”، هذا جزاؤه لأنه سن القتل فكل من قَتل بعده نفسا بغير حق ناله نصيب من الإثم.
ومما ذكر العلماء في مسائل الاعتقاد أن أول من قال بالقدر معبد الجهني، أي هو أول من قال بنفي القدر وادعى أن الله عز وجل لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، فكذَب على الله وضلَّ وافترى، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.








