المقالات

نفس عصامٍ سودت عصاما

قال ابن خُرمان :
موضوع هذا المقال راودتني نفسي مراراً لأكتب عنه لكنني ترددت كثيراً ولم تأتني الجرأة ليس لعدم معرفتي الكتابة لكن الكتابة عن شخصية تعرفها وتجدها أكبر كثيراً مما تود قوله وسيرة حياته تفوق ما قد أسطر عنه يكون مكمن الصعوبة خاصة وأن غيري كثيرون يعرفونه وربما لا يصل ما أكتبه إلا أقل القليل مما لديهم عنه ، ومع كل هذا التردد واتتني الشجاعة والجرأة للكتابة عنه الآن وبالله أستعين.
إنه الصديق والزميل والمعلم العميد الطيار الركن عبدالله بن مرضي الزهراني ، وسأبدأ من التصنيف حيث ذكرت أنه الصديق وهذه الحقيقة فقد بدأت صداقتنا منذ اليوم الأول لالتحاقنا بكلية الملك فيصل الجوية حيث قابلته وتعارفنا وتكلم كل منا عن نفسه ووجدنا أن هناك أواصر رحم بيننا واستمرت صداقتنا من ذلك الحين فكنا نترافق في الكلية وفي إجازات نهاية الأسبوع حتى لا نكاد نفترق خلالها وعندما يذهب أحدنا عند جماعته دون مرافقة الآخر له يسأل المضيف : أين فلان؟!
واستمرت تلك الصداقة بفضل الله حتى بعد تخرجنا من الكلية وتفرق الحال بنا لظروف العمل إلا أن التواصل استمر ولم ينقطع حتى تاريخه .
أما الزميل فهي زمالة الدراسة في الكلية ثم العمل بعد التخرج في قطاع القوات الجوية الملكية السعودية حيث كل يعمل في مجاله وفي القاعدة المعين بها إلا أن زمالة العمل مستمرة إسوة بجميع الزملاء في القوات الجوية والذين يتكامل جهدهم ويكمل عمل كل منهم الآخر حتى تنجز المهمة لقواتنا المسلحة في حفظ أمن وطننا الغالي من أي إعتداء.
أما المعلم فهذه حقيقة فأنا أعتبره معلماً لي فقد سبقني إلى المدن والتعامل مع الآخرين بينما أتيت من قرية لا تعرف من الحضارة إلا أسمها وما يدرس في الكتب حتى أبسط الأشياء لم نكن نعرفها فعنما يذكر التلفون لا نعلم ما هو ولا كيف يستخدم و انبهرت بالتلفزيون عندما شاهدته والمصعد عندما ركبته وغيرها الكثير لكنني قابلت معلمي فكان نعم المعلم والعون لي في شرح كل ما جهلته حينها حتى طريقة التعامل مع الناس التي كنا نجهلها فقد كانت غلظة التعامل تغلب علينا والتي فرضتها ظروف حياتنا السابقة لكنه استطاع تنويري وتوجيهي الوجهة الملائمة ولا زلت اتعلم منه كلما قابلته أو تواصلت معه ولعل ما شجعني على الكتابة في المنتديات والمدونات عندما وجدته يكتب في منتديات الإنترنت ودعمه لما أكتبه وإن كان ما أكتبه لا يستحق .
أما العميد الركن الطيار فهي الرتبة التي تشرفَت بأن تكون على منكبه ووصل إليها في القوات الجوية قبل أن يحال إلى التقاعد كغيره ممن خدموا دينهم ومليكهم وطنهم بكل شرف وعزة حتى أصبحت مملكتنا ولله الحمد منيعة وقواتنا الجوية من أفضل القوات في العالم .
ما سطرته سابقاٌ محاولة لأتجرأ على الكتابة عن أبي أحمد والذي وضعت عنوان مقالتي عنه شطر بيت النابغة الذبياني وهذه حقيقته ، فقد بدأ حياته كأي طفل نشأ وتربى في قرى كانت بدائية فلا يعرف إلا الغنم وغيرها من المواشي ، لا يعرف إلا الحرث والسوق ورعي الغنم والزراعة وما أتبعها فلا كهرباء ولا سيارات ولا شيء من ملذات الحياة الحديثة . نشأ في بيت من أعيان بيوت بالطفيل بل زهران بيت كرم وشجاعة ووفاء وهذه مكتسبات توارثتها أجيالهم من جد لحفيد ومنهم صديقنا لكن من حسن حظه وجيله أن افتتحت الدولة السعودية أدامها الله مدرسة في قريته ( قرية عويرة ) ولاهتمام أبيه بالعلم ألحق ابنه بها فكان من نوابغ طلابها لكنه لم يكن متفرغاً للدراسة والعلم وإنما كانت أشغال الزراعة والرعي جزءً من برنامجه اليومي بل كانت برنامجه اليومي كاملاً أثناء الإجازات واستمر على هذا الحال حتى أنهى الإبتدائية وكانت فرحته غامرة عندما سمع أهل القرية يذكرون أن الرادي أذاع اسمه في الناجحين . انتقل بعدها إلى متوسطة النصباء فكانت انتقاله كبيرة فلم يكن يعلم أن هناك قرى توازي قريته وربما أكبر ومنها معلمين وضباط وشاهد بعض السيارات حيث لم تصل السيارات قريته ، واصل دراسته حتى أنهى المرحلة المتوسطة وبفرحة أكبر مما حدث له في الإبتدائية فبعد المتوسطة سينتقل مع مجموعة من زملائه إلى المدن التي يسمعون عنها لاستكمال دراستهم فوصل الطائف فكانت النقلة الأكبر في حياته فالطائف مدينة تضم المدارس والمراكز التجارية والمستشفيات ومراكز ومدارس الجيش فالتحق مع بعض زملائه بمدرسة الكتاب للقوات المسلحة حتى تخرج منها برتبة صف ضابط كاتب وكان هذا طموح العديد من الشباب حينها حيث كانت الحياة صعبة والمادة قليلة وكانوا يسعون لبناء حياتهم الاجتماعية والزواج ومساعدة الأهل في متطلبات الحياة إلا أن بطلنا لم تلهه حياة المدينة وما حصل عليه من رتبة وراتب عن طموحه العلمي فاستمر يعمل نهاراً ويواصل تعليمه الثانوي ليلا حتى تمكن من الحصول على الثانوية التي أهلته للالتحاق بكلية الملك فيصل الجوية مغامراً بالتخلي عن رتبته وراتبه ليكون طالباً مرة أخرى .
كان في الكلية مثالاً للطالب المجد الخلوق فقد حمّله المسؤولين في الكلية مهمة قيادة دورته منذ اليوم الأول لالتحاقه بالكلية وكان نعم القائد والموجه لزملائه حتى تخرج من الكلية برتبة ملازم طيار وواصل العمل والترقي في الرتب والمناصب والتي أهلته لمرافقة الملوك والأمراء في تنقلاتهم الجوية.
هكذا كانت حقيقة عبدالله بن مرضي العصامي الذي لم يدفعه أحد للتعلم والاجتهاد وإنما كان الدافع ينبع من داخله فالثقافة كانت ديدنه فقد كان يقرأ ويكتب المقالات للصحف منذ أن كان الثانوية مما أكسبه حينها ثناء كبار أدباء السعودية أمثال العلامة حمد الجاسر والأديب محمد حسن زيدان وغيرهم ، ورغم الحياة العملية في المجال العسكري التي تستهلك الكثير من الوقت والجهد لم يتخل عن القراءة ولعلي أذكر هذه الحكاية التي أفصح بها لأول مرة فقد كنت أشاهده أثناء دراستنا في الكلية يحمل كتاباً أدبياً معه وهو ( الحبر الأسود أسود ) لناصر الدين النشاشيبي استعاره من مكتبة الكلية يتحين كل فرصة ليقرأ في ذلك الكتاب وكانت لي الرغبة الشديدة في أن ينهي قراءة ذلك الكتاب لأتمكن من قراءته والإستفادة منه لثقتي في ذائقته وحسن اختياره .. ومما يتميز به الصديق أبو أحمد الذاكرة الحافظة فهو ما شاء الله يتذكر التفاصيل الصغيرة جداً للأحداث وما يقرأه ، كما يتميز بحسن الرأي وجمال الأسلوب أثناء الحديث حتى أنني أثناء دراستنا في الكلية وعندما نجتمع مع بعض أفراد الجماعة استمتع بحديثه عن أحداث الكلية وما قابلناه فيها رغم معرفتي بكل ما يتحدث عنه، ولعلي هنا أشيد بما زرعه في أبنائه من الصفات التي جعلتهم لا يرضون إلا أن يواصلوا ما بدأه والدهم فهم الآن يتسنمون أعلى الرتب والمناصب والتخصصات العلمية النافعة .. وأخيراً أرى أن ما وجده أعيان قبيلة بالطفيل في أبي أحمد من رجاحة عقل وحسن رأي ومكارم أخلاق جعلتهم يرشحونه شيخاً لقبيلتهم وهو أهل لذلك وهم نعم القوم.
ختاماً : أعلم أن الصديق الغالي لا يرغب الكتابة عنه ومع هذا أتمنى أن يعذرني إن قصرت في مقالي عنه فكما ذكرت في مبتدأ كلامي أن الكتابة عن سيرته تتجاوز مثل هذا المقال ولكن مثلما قيل : ما لا يدرك كله لا يترك جله . والله ولي التوفيق .

• الدمام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى