منتدى القصة

آدم وبلشون في ذاكرة غربية..

أتذكر حينما التقينا؟

أنسيت عندما وقفتُ على الغصن مسرورًا
ونشدت بصوتي المحزون؟
لم يجب
فقال محاولاً بعينين راجيتين! قل أرجوك أتذكر؟
أجاب ببرود
نعم أذكر بأني وجدتك على الغصن تُشدي بصوتك فقفزت أسألك من أنت؟
لم تجبني عندها وأكملت من حيث توقفت
وعند الظلام جاءت أمي فسحبتني من يدي واصفه إياي بمحدث المخلوقات!
فمنذ أن أخبرتها أن أمنيتي أن يكون لدي قدرة سليمان في التحدث مع المخلوقات وهي تلقبني بذلك لعل الله يُجيب أُمْنِيَتِي المحالة في نظرها، السهلة على خالقها.
دخل بصيص نور لقلب بلشون تبسم بأمل فقال:
أكمل يا آدم ثُمَّ ماذا؟
نظر للأفق يسترجع شكل بيتهم الريفي ورائحة إسطبل الخيول، ومشهد أمة وهي تعتني بخيلها (ناسيك)، وأبيه المزارع حبيب البذور والتربة، وأخته حكاية قصص الجنيات والعالم الثاني التي يؤلفها عقلها الخيالي! مُلقيتها على أترابها.
التفت بشكلٍ مفاجئ قائلًا:
بلشون هل هناك رحلة للعودة؟
نظر باهتمام لأدم متسائلا فقال:
إلى أين تريد العودة!؟
أعاد نظره للأفق تحدث بصوت خالطه الحنين .. إلى ما قبل سبعة أعوام
هل تستطيع ؟
رد ببلاهة
– ممكن!
نظر إليه باهتمام وحماس بالغ فقال بصوت متحمس
– كيف؟
قال:
– ليس هناك طريق معبد للرجوع للماضي، ولكن ما فائدة العودة قل لي؟
ماذا إذا رجعت ومشت أقدارك كما هي نفسها إلى أن وصلت لحالك هذا!
تخيل معي أن تعيد التجربة مرتين!
ألا تكفيك اللدغة الواحدة؟
ألا يكفيك التشرد الذي عشته؟
ألا يكفيك الفقدان والمعاناة التي مررت بها؟
هل تريد إعادة الكرة مرتين؟
مالفائدة؟!!
كان كلام بلشون كسهم أطلقه قناصٌ ماهرٌ في مكان يعرفه جيدًا.
خفض رأسه فقال بصوت يأس:
كنت سأتقرب منهم أكثر، أو بالأصح سأبتعد عنهم ولا أتعلق بهم ولا أحفظ قصص أختي الخيالية ولن أُحِبّ النظر لرسمة ملامح أمي وهي تنظر لنا ولا لكمية السعادة وهي تمشط شعر خيلها( ناسيك).
ولا كنت سألُحُ على أبي لتعليمي الزراعة، ولا لمراقبة ملامح المتعة والاجتهاد في وجههِ وكيف كان يساعدني ويعلمني الزراعة بلطف ويخبرني بأني لابد أن احرص على إيجاد المهنة التي تبتهج روحي فيها وتستحق أن أصرف جل وقتي عليها.
حَقًّا أتمنى لم أقترب منهم لذلك الحد الذي عندما أصبت بالزهايمر ونسيت كل شيء حتى اسمي إلا كل حديث دار بيننا إلا كل شعور كنت أحس به فيهم، إلا رسمة ملامح البساطة والتواضع عليهم! إلا لطفهم معي وتعاونهم سويًا ! كل شي كل شيء بتفاصيله لازلت أذكره، طريقة تضفيره شعر ( ناسيك)، رسمة قماش ستارة شباك غرفة المعيشة، لون السقف، نصائح أبي، أسماء أبطال قصص أختي، هالات أمي، رائحة منزلنا، حتى تفاصيل نقش المزهرية، ومساكن النمل، ووصفات طبخات أمي المفضلة، وطريقة التعامل مع النبات بحنان، ومكان التمثيل وولوج الخيال مع قصص العالم الخارجي.
تعاطف مع ذكريات آدم والذي لطالما كان متفاهم مع ذاكرته الغريبة التي فقدها عند عمر العشرين عامًا! العشرين التي كانت بداية فرصة إثبات ذاته وتحقيق أحلامه.. فلم تمشي الأقدار على ما تشتهي الأنفس فكانت رحلة بلغ فيها سن الكبر بجسد صغير فقد كل شيء قبل أول خطوة لدخول العشرين، ومنذ ذلك الوقت أصبح بلشون يعامله كأي فرد من هذا المجتمع وليس كغريب يعطف عليه البشر لأجل ذاكرته التي تارةً تنسى كل شيء وتارة تكن سليمة.
فقال بِصَوْت تظاهر فيه بالقوة:
لو لم يكن لك ماضي لما كان لك حاضر، تعرف فيه أين مواقع الخطأ التي وقعت فيها وكيف عشت وما تسعى له لطريقة عيش أفضل من السابق، تأكد أن عائلتك كانت تستحق كل ذلك الحُب والحنان الذي أعطيتهم إياه، وتلك الأشياء الحمد لله لم تنساها وإلا كانت ابتسامك ستختفي عندها .كُنت فقدت المُتعة برؤية تلك اللوحة الفنية المرسومة على محياك عندما تتذكر مشهدًا ظريفًا لتصرفات قديمة فعلتها مع عائلتك، أستسلم للأقدار بقناعة وتسليم، فلطالما شهدت ابن آدم دومًا نادمًا سواءً قدم شيء أو لم يقدم إذ قدم قال ليتني لم أقدم وإذا لم يعطي قال ليتني قدمت، لذلك القناعة والنسيان هي أكثر الصفات برأيي نفعه ونعمه.
فقال بحزن مخلوط بغضب
– ولكن يا بلشون ما هذه الذاكرة التي أحملها براسي؟
تنسى موضع مفتاحي قبل خمس دقائق ولم تنسى أحاديث بل تفاصيل قبل خمس سنوات.
نظر لعينيه بحنان
ألا يكفي أنك تتذكرني؟ ألم يكفيك بأني لازلت معك رغم كل شيء إلى الآن؟
ولم تنساني ذاكرتك المميزة.
شعر بالحرج فقد نسى ذكر فضل بلشون وحذف جميل أعماله معه من قائمة قاموسه بالحديث فقال بشعور مُمتن:
أنت النعمة الوحيدة التي عشت معها منذ تشردي بعمر التسعة عشر عام إلى أن وصلت الخامسة والعشرين عامًا ومنذ ذلك الحين لم يصبح علىَّ صُبح إلا وسمعت صوتك الشجي فيه.
فرد بابتسامة:
-وأمنيتي أن يطول عمري ليوم أقول لك فيه إنها تمطر بالخارج فحياة التشرد هذه صعبة على كلانا.
فرد..
كانت أمنيتي سابقًا أن يرزقني بقدرة التحدث مع المخلوقات وقد استجابت دعوتي، والآن أمنيتي عائلة وبيت وستستجيب ولكن في الوقت المناسب الذي يراه خالقك وخالقي، كما أعطاني تلك القدرة في الوقت الذي كنت بحاجتها بصدق استجابت فأصبحت أتحدث معك في وحشة وحدتي وتشردي بعكس سابقًا في صغرى فستكون تلك القدرة بلا فائدة كبيرة بعكس الآن! أفهمت؟
فردت الابتسامة العريضة قبل كلامه ثم قال :
ومن لا يفهم الأستاذ آدم؟ قل لي
فقال ضاحكًا
أنا أنا نفسي وتالله يابلشون
الجزء الأول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى