منتدى القصة

آدم وبلشون التَئق والمَئق

• أنتَ تَئــق وأنا مَئــق، فكيف نتّفق ؟”
نظر بلشون بملامح الغرابة لآدم ؟ هل يعقل أنهُ
فقد عقله أيضًا
• آدم هل تعي ما تقول؟ ضحك بشدة على حركات بلشون، وعلاماتُ التعجب والغرابة تعتريه، وقال بين صوت ضحكاته:
• أعي أعي ولكن أنت الذي لا تعي عمق اللغة العربية!
رفع جناحيه -بمعنى لا أعرف- قائلًا :
• هل نسيت أني عصفور؟
قال له -وهو يرفع حاجبيه بغرور-:
• هذا لا يغفر لك، فأين ذهبت فائدة الكتب التي تقرأها؟ ألم تضف لك معاجم جديدة؟
تمتم عليه بجدية، وقال:
• أني أقرأ كعصفور ألتهم الفائدة كطعامي حبةً حبة، والحياة واحدة، وأنا أعيش أكثر من حياة من خلال القصص، وأقتبس المفيد من خلال التعبيرات ولا أقرأ لتصبح غرفتي مكتظة بالكتب للزينة ! أو ليشار لي بالمثقف!
• لا شك في هذا، وأيضًا ألتمس لك عذرًا آخر فإنك في الأخير عصفور لا تحتاج إلى التكلم بمفردات كثيرة.

اشتدت ملامح بلشون وهو ينظر لأسلوب آدم البشري المستفز!
• أتعلم من هو أغبى الرجال؟
رد من دون تفكير
• لا! من؟
• هو من اعتقد أنه مثقف عندما قرأ كتابًا واحدًا!
رد بسرعة قائلًا:
• ولكن أنت تعرفني يا بلشون ألم أكف عن القراءة قبل وبعد حتى تشردي وبُعْدِ عائلتي عني! وإن كانت ذاكرتي غريبة بعض الشيء وتنسى كثيرًا ما جرى بحاضري فأنا لا أنسى الكُتّاب والأبيات التي لامست مشاعري بشدة وحركت سكون أحاسيسي!
شعر أنه تم فهمه خطأً، ويجب عليه تدارك الأمر بسرعة
• لم أقصد ذلك يا آدم .. و كما تعرفني سرعان ما أغضب لمن يشككني أو يحاججني بمعرفتي وخصوصًا بكتبي وما يخص ممارستي في التعلم والقراءة.

تبسم آدم وأخرج صوت تصفيقة سريعة وهو يقول:
• وهذا ما قصدته بالضبط

رد بتساؤل
• في ماذا ؟
وقال بهدوء
• ألم تقل إنك سريع الغضب ؟؟
• بلى !
• – إذن هو هذا ما قصدته في البيت فأنت سريع الغضب وأنا سريع البكاء فكيف نتفق ؟؟
فقال بذهول
• هذا يعني معنى تئــق: سريعُ الغضب ومئق : سريع البكاء ؟
• أحسنت أحسنت بالضبط
• إذا كان ذلك فلك مني بيتان
• هما ؟
• لا تقع في محظور التسرع، واصبر
قال بغرور:
• لا عليك ألم تلقبني من قبل بأني المتنبي، فإذن أنا عند ما لقبتني به بفصاحةً ودهاء وعلم.

• حسنًا سنرى يقول البيت يا آدم .. آه نسيت أتمنى أن المتنبي يسامحني إذا لم تظهر عند وعدك
• سنرى !
• يقول الشاعر
‏(أَلَمٌ أَلَمَّ أَلَمْ أُلِمَّ بِدَائِهِ *** إِنْ آنَ آنٌ آنَ آنُ أَوَانِهِ)
• ماذا ؟ تكلم بالعربية يا رجل

ضحك بصوت عالٍ وهو يقول بين علو ضحكاته
• ما بك تنازلت عن اللقب بسرعة ألم أحذرك ؟ سأسهلها عليك واكتبها بالحركات وأنت تأملها عن قرب واقرأها بحركاتها.

كتبها بلشون حقًا على لوح من خشب وبعناية تامة خطها وآدم شعر بأنه في مأزق وهو يرى الحروف تكتب فهي عربيةٌ لا محالة ولكن المعنى يجهله وهو بحيرةٍ الآن بأمره !

• أعطني بعض الوقت أفسرها وأقلبها برأسي

قال بلشون وهو يضحك على شكل تعبيرات آدم وكأنه أمام عصابة وليس بعض الكلمات التي لم يفهم معناها
• أتمنى حقًا أن يسامحني المتنبي إذا لم تفلح
قطب آدم حاجبيه وهو يضرب على صدره
• تذكر أن كلمة ووعد آدم لا تثنى ولا تخون

جلس آدم أمام اللوح يقلبه معانيه بعقله ويحك راسه تارةً وينظر للسماء تارة
وبقي بلشون مسلتقيًا (يقلي؟؟) ماذا تقصد بهذه الكلمة؟؟؟
بضحكات مكتومة بينه وبين نفسه على الورطة التي أوقع فيها آدم بسبب عناده وثقته بمعرفته وعدد كتبه المقروءة

بعد نصف ساعة وثلاث دقائق بالتمام رفع آدم صوته لبلشون ليوقظه من نومه
• هيه يا صاح ؟؟ انتهيت
• حقًا ؟ وأخيرًا
• أتعجب من ثقتك هذه التي جعلتك تنام وأنت مبتسم على ما ظننت أنك قد مسكته عليّ من أجل أن تقلل من علمي فيه.
• و هل أقول إن ظني قد صاب أم خاب؟
• خاب خاب يا بلشون ووقعت ثقتك
وأخذ يضحك بتعالٍ وغرور .
• حقًا ؟ إذًا قلي ما تفسير البيت يا سيد متنبي!!
• يقول المعنى بيتك يافهيم
لقد أحاط بي ألمٌ لم أعرفه من قبل فإن جاء وقت شفائه من الله فقد آن ذلك له

صمت بذهول لوله وهو يحدق لآدم بتعجب!
• آدم كيف عرفت؟
• ألم تقل بأني المتنبي؟
• بلى
• هل تعلم البيت هذا لمن؟
• لا !
• كيف لك أن تتحداني في شعري؟
• لم أفهم!
• يبدوا أنك أصبحت قليل الفهم بسرعة بعد الصدمة، ولكن ما قصدته أن هذا البيت يُتْسَبُ للمتنبي (تقريبًا)
• يالله كيف فاتني هذا !! ولكن اشرح لي الأبيات كلمةً كلمة؛ لأصدقك
• إذن لا زلت بعد في تأثير الصدمة ، ليس لدي مانع في تفسيرها
• تفضل
• أَلَمٌ تعني ( وجع ) وأَلَمَّ ( أحاط بي ) أَلَمْ تعني( لم ) و أُلِمَّ ( أعلم) و بِدَائِهِ بمعنى( بمرض ) هذا الشطر الأول أنتهينا منه
• نعم أكمل
• إِنْ ( إذا) و آنَ (توجع) وآنٌ (صاحب الألم) وآنَ (حان) وآنُ (وقت) أَوَانِهِ ( شفائه) ومع خالص تحياتي للسيد بلشون.
• من أين لك هذا ؟
• أنا من يمسي ويصبح على أطراف قوافي المتنبي وأتحدث بأقواله وأنشد أشعاره، وهذا البيت في البداية نسيته وغاب عن ذاكرتي تمامًا، ولكن عندما راجعته بينما أنت نائم بثقة، شعرت بأني قد قرأته قديمًا، ولكن هناك صورة غير واضحة له في ذهني، وكما تعلم ذاكرتي لا تنسى أي شيء قديم أحبته نفسي وألفته؛ لذلك حاولت بِقُصار جهدي أن استرجعه واسترخي وعندما أطلت النظر للسماء استرجعته كلمةٌ كلمة وفسرته بمعرفتي العميقة كما تعلم في الإعراب والتفسيرات وهذه الأبيات معروفة تُعد من أبلغ ما كتبه العرب.
• ما وقعت فيه من خطأ أني حفظت البيت دون أن أعرف كاتبه، ولكن كما قيل غلطة الشاطر بألف! مبارك لك السيد المرحوم المتنبي.
تعجب من استخدام كلمة المرحوم فماذا يقصد منها بلشون! ولكن صمت كعادته وقال بهدوء
• أتريد بعض الشاي؟
• لا شكرًا انا أنتظر أحدهم
• من هو؟
• لا مجرد تعرفت على أحد الجيران الجدد فقبيل أمس سمعت صوتًا يشدي بنغم رقيق جدًا فتعجبت ! لأنه لا أحد من العصافير هنا غيري ! فذهبت أتجول في الأنحاء إلى أن ألقى أحدًا من الجيران الجدد..
• حسنًا ثم ماذا ؟
• تعرفتُ على العائلة كاملة وحكوا لي بأنهم أتوا من أحدى القرى لأن فصيلتهم معرضة للانقراض بسبب الصيادين وسكان القرية المتوحشين؛ لذلك قررت العائلة الذهاب إلى هنا بشكل مؤقت وكانوا عائلة جيدة، شعرت بدفء داخلي معهم وسرعان ما دعوتهم للحضور في بيتي ولكن يبدو أنهم غادروا، أو لن يأتوا على ما يبدو ! .. لا أعلم !
• جميل جميل جدًا إذن اذهب وتأكد بنفسك قد يكونون حقًا غادروا؟ أو ينتظرونك ؟ وقد لايعرفون عنوانك ! أذهب!
• لا
• ولمَا !؟
• لم أعد قادرًا على تحمل فقدان جديد أخاف أن أجدهم حقًا قد رحلوا .. وصراحةً أشعر بأنهم لم يتقبلوني، ففصيلتي لا تتشابه أبدًا معهم .. لا أريد سأبقى هنا أنتظرهم ..
• غريب أنت! يعني هذا أنهم لن يأتوا حقًا ولا ينتظرونك أيضًا… ولكن أشعر بأن هناك شيئًا ما تخفيه !؟
لم يجبه بلشون وتظاهر بأنه منشغل
فقال له آدم وهو يغادر
• حسنًا ابق هنا ما دمت مصرًا على قرارك .. وصدق من قال ‏”يا لخفّة الذي لا يَنتظِرْ ولا يُنْتَظَر”

ولم تمر هذه الجملة مرور الكرام على مسمع بلشون.

انتهي!
الجزء الثاني

أماني هميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى