المقالات

الغوبلزية الجديدة

تكاد الدعاية السياسية المضللة والقذرة تعرف بالغوبلزية في العالم كله؛ وذلك نسبة ليوزف غوبلز وزير دعاية ألمانيا هتلر، في بداية حياة غوبلز المهنية المثيرة وقبل وصول النازية للحكم كان غوبلز يعمل صحفيًا وعرف عنه أنه كان يقوم بحملة مركزة ضد شرطة برلين محاولًا دفعها لحملة اعتقالات سيستغلها ضدها لاحقًا، لم يكن مجرد كذاب كان ما يشبه “آلهة الكذب” في زمانه لو استخدمنا تعابير الميثولوجيا الإغريقية، رغم ذلك كانت نهايته منتحرًا مع زوجته وأولاده الستة في سرداب تحت الأرض؛ فالحقيقة تنتصر دائمًا في النهاية حتى لو عانت كثيرًا لتظهر.

لم تختفِ الغوبلزية من العالم بنهاية مؤسسها ورمزها بل صارت “مدرسة فكرية” ستعتنقها جميع الدول والإيديولوجيات لاحقًا وإن بمحسنات وحسب الظروف، كان الشيوعيون سادة الميدان في منتصف القرن الماضي، في منطقتنا أيضًا كان للتيارات والأنظمة القومية نصيبها من “التغبلز”، ستحمل المشعل فيما بعد حركات إسلاموية ستوصل الغوبلزية لمستوى جديد من التطور فعلى أيديهم صار لها جانب ديني وبُعد أخروي يمنع البعض حتى من التفكير في انتقاد بروباغاندا هذه الحركات باعتبار ذلك موجبًا للإخراج من الملة في الدنيا وتوقع العذاب في الآخرة بيد أن نهاية هذه الحركات (الراديكالي منها على الأقل) ستكون مأساوية حين صدقت هي نفسها كذبتها وأرادت تخطي التفاهمات الدولية لمنطقة التضليل المسموح بها، تبين أن ما هو مسموح في أفغانستان غير مقبول في أماكن أخرى.

مع بداية القرن الجديد اعتقد الجميع أن الغوبلزية ذهبت من غير رجعة مع تطور التكنولوجيا وانتشار التلفزيون وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، لقد أصبح العالم قرية واحدة بالفعل ولم يعد الكذب والتضليل على نطاق واسع أمرًا ممكنًا، تبين لاحقًا أن ذلك الاعتقاد خاطئ (على الأقل في منطقتنا) فالغوبلزية على وشك أن تدخل أزهى عصورها وأكثرها غرابة.

مع بداية “الربيع العربي” بدأنا نتلمس ظهور نوع جديد من الغوبلزية يكذب بالصوت والصورة، ويتلاعب بعقول المشاهدين فيُنبِت المظاهرات؛ حيث شاء ويعتم عليها حيث أراد، لقد دشن تحالف غريب من أموال الغاز والإخوان واليسار (لا نغفل ظهور الأوبامية) مرحلة جديدة من الغوبلزية يندى لها الجبين ستغرق المنطقة في ويلات لازالت مستمرة، الحملة الجوبلزية المعاصرة تختلف عن سابقاتها من نوعية الخصوم أو الأعداء؛ فإذا كانت ألمانيا أقامت حملتها على عداء الجنس الآخر في أثناء حرب عالمية طاحنة استخدمت فيها جميع الأسلحة المدمرة ضد أعداء مغايرين لهم شكلًا ومضمونًا؛ فإننا الآن نشاهد حملة جوبلزية من أبناء الجنس الواحد والبلد الواحد والدين الواحد ومن طرف واحد، فلم تكن هنالك حرب بالمفهوم التقليدي بين بلدين، ولم يكن هناك احتلال لبلد من طرف آخر وهو ما يجعل الحملة الأخيرة عصية على الفهم من حيث الأهداف، عشرات القنوات والمنصات تسلط علي هدف واحد لهدف واحد وهو تشويه هذا أو زعزعة أمن ذلك، بعض الخبراء في مجال الدعاية أجمعوا أن ما حدث ضد مصر والسعودية من هجوم سافر وتوجيه وتأليب للرأي لم يحدث حتى في أوج الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، حملة غير مسبوقة في التاريخ نشهدها، استخدام للدين واستهلاك لعبارات زائفة عن التحرر والديمقراطية ونسف كل معايير احترام السيادة وحرمة التدخل في شؤون الغير، فمن يصدق أن بلدًا يجهز قنوات تلفزيونية وعشرات المواقع للهجوم على بلد آخر لتناقش قضاياه الداخلية وأدق تفاصيل حياته اليومية، ومن يصدق أن دولة يفترض أنها شقيقة تستضيف مئات الإرهابيين وتحرض على العنف والتفجير في بلد شقيق دون أي وجه حق؟، الزمن وحده كفيل بكشف الماورائيات في كل ما يحصل!
ولئن كانت الدول المستهدفة من هذه الجوبلزية لم تقم حتي الآن بردة الفعل المناسبة لا كمًا ولا كيفًا؛ فإن هذه الحملات مصيرها محتوم، ولن يختلف كثيرًا عن نهاية سابقاتها ونهاية مدبريها لن تختلف كثيرًا عن نهاية غوبلز الفرق الوحيد هو أن غوبلز انتهى في نفق تحت الأرض وهؤلاء سينتهون في نفق أشد ظلامًا، مصيرهم مزبلة التاريخ بكل تأكيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: