«جواهريات»
الأيام تترى .. والحياة تطلب منا أن نكون أكثر جرأة، وأقوى تمكنًا وتمكينًا في المواقف ، وأن نُلازم رجاحة العقل وحنكة الرأي، وتريث الحكم، وقراءة الأحداث وتبصُّر العواقب.
المرء بعقله ورشده وعمق تفكّره وجزالة منطقه ومنطوقه، فالوصول لكل ذلك يتطلب منا أن نُسدي للأيام أعمارنا وتجاربنا التي ينطوي داخلها كل ما كان وسيكون من فرح وحزن وعمل وفشل وخيبات ونجاحات وعَبَرات وعِبْرات . . .
والخوض في السير .. يجلّي لنا العِبر .
ومن منا لا تستهويه رؤية الحياة بعين سبقتنا في البصيرة ؟
وهذا ابن خلدون صدح له الحرف ، وتنادت له الكلمات ، وعظمت في شأنه المقالات، لتكتب تاريخًا صخِبت له الدهشة، ونال إعجاب العرب والعجم.
يُعد ابن خلدون من علماء المسلمين الذين ذاع صيتهم شرقًا وغربًا، فهو من خاض في الاقتصاد والسياسة والتاريخ والعمران والدين والطب، وهو مؤسس علم الاجتماع ، والمفكر الذي قدَّم لأمته وكل الأمم إرثًا ممتدًا، وعلمًا يُدرَّس. متمثلًا في كتابه ( كتاب العِبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر )
وضع له مقدمة تمهد للكتاب وتساعد على فهم التاريخ، حيث أن التاريخ عنده ليس نقلًا فقط، بل تحليلًا وتأملًا وكشف للأسرار لتأتي لاحقًا أخبار الأمم؛ لأن الحدث له مضامين يجب أن تُدرك، فنجد عند ابن خلدون جوابًا لهذه التساؤلات .. لماذا وقع هذا؟ وما سر ذاك؟ وما الحكمة مما حدث ؟ وفي مقامنا هذا نعرض شذرات وضاءة من سيرة ابن خلدون الذي أخرج لنا العالم وكتب عنه كما لو أنه قاطن بيننا الآن ، فنتاجه الذي بين أيدينا دليل قاطع أن البيصرة قد أظلته، ومن يُخرج العالم بهذه الدقة المتناهية من الصدق والعمق، فلا مجال للشك أن الأحداث توالت عليه وانتهى إلى رؤى عميقة وتحليلات حثيثة.
وهنا ما قاله عبد الله محمد الدرويش المحقق لمقدمة ابن خلدون ( عاد ابن خلدون بالفلسفة من تحليقها في سماء اللوامع واللامحسوس إلى ملامسة الواقع، وتحسس قوانينه وضوابطه .. و هو ينظر للأمور من خلال عواقبها، منطلقًا من بدايتها المرتبطة بالواقع ارتباطًا أكيدًا . . . ) ومن كتاب ابن خلدون حياته وتراثه الفكري لمحمد عبد الله عنان ذكر فيه ما قاله الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيجا ( ابن خلدون عقلية واضحة كلها ضوء وأن ضوءه العقلي يمزق كل غموض، ويصل نقيًا إلى الأشياء ويستخرج منها كتابًا يبدو كأن الذي كتبه مهندس بارع، وكتابه عن فلسفة التاريخ هو في نفس الوقت أول علم اجتماع )
وإليكم بعض العِبر من حياة ابن خلدون
. التأمل التأمل التأمل .. لتكون البصيرة حاضرة دومًا ومساورة للمرء في كل مشاهداته.
. ابن خلدون وضع مقدمته التي تفسر وتحلل وتنقب عن أسباب الأشياء وتوضح جوانبها، و هذه إشارة إلى أن الأحداث لا تؤخذ نقلًا وتداولًا، بل السؤال المستمر وراء أسبابها ومنشأها ودوافعها، يفتح آفاق الإدراك حول ما يتتابع من أحداث.
. العزلة مُلهمة للمرء لا مُلجمة له .. وهذا ما كان عليه ابن خلدون قبل أن يُخرج لنا هذا الإرث العظيم، حيث أنه اعتزل من حوله ليتفرغ وينتج لنا ما أنار العالم اليوم.
. الحدث المفرح أو المؤلم هو ضيف في رِحابنا، وحتمًا سيغادر، فلا يغادرنا دون أن نلقي عليه هذه التساؤلات ما الذي وراءه ؟ ولماذا قصد رِحابنا ؟ وكيف سنكون بعده ؟
. الأحداث مهما كانت معتمة ففي تواليها و تراكمها حكمة .. تُمهل العقل لأن يحتطب الحدث فوق الحدث ويشعلها لتنير طريقًا يسلكه.
. التنقل بين الأمصار هو غذاء للروح والقلب والعقل .. والأرض التي نزورها ربما لا نرجع لها مرة أخرى، فحري بنا أن ندوّن الشعور في دواخلنا ونغذيه بعواطفنا وننظر له ببصائرنا ليقودنا لما هو أفضل.
ومن قرأ عن ابن خلدون وفِكره الممتد ونهجه الواسع، شاهد الأحداث بمنظور مختلف، فما سلف هو شيء يسير يشعل الرغبة لقراءة سيرة ابن خلدون وما كان فيها من عِبر، والخوض في تأمل مقدمته ، وأن ينهل القارئ منها لفهم البشر والحياة وخطوبها وجميع جوانبها المترامية.






