المقالات

عظيم العرب

يقال: إن نوعية المعارك تحدد نوعية الرجال، هناك من يخوض معارك عادية ويعيش حياة عادية وهناك من طموحه السماء وهمته عالية ومعاركه ذات أهداف كبيرة، كان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من النوعية الأخيرة وهي نادرة لذلك يكافئها التاريخ وتنصفها النتائج في النهاية، حين تنطلق من الكويت وتحت إمرتك ستون مقاتلًا لاسترداد مدينة بحجم الرياض في ذلك السياق التاريخي فأنت لست شخصًا عاديًا، معظم الناس لن يحلم باسترداد حارة بهذا العدد أما أن تنطلق بهذا العدد وهدفك توحيد الجزيرة العربية وإنشاء بلد بحجم قارة فهذه ميزة وشجاعة نادرة وطموح غير مسبوق .
ربما أنصفت الكتابات الغربية “بن سعود” كما يسمونه أكثر من مؤرخي القرن العشرين العرب، من المؤسف أن هناك أجيالًا عربية من المحيط إلى الخليج تتذكر قادة عرب آخرين كانوا أقل طموحًا وإنجازًا؛ وكأنهم أبرز القادة العرب في القرن العشرين، برأيي “بن سعود” أهم زعيم عربي في زمانه لقد وحّد قارة بإمكانيات محدودة وأنشأ إمبراطورية من العدم، لم يكن زعيمًا ورث عظيم العرب كرسيه من المستعمر ولم يكن عسكريًا وضعته الأقدار حيث لم يطمح يومًا، لقد وضع عبد العزيز -رحمه الله- هدفًا لنفسه حين بلغ الحلم وأمضى حياته في تحقيقه، وقد أنجز مالم يتوقعه أحد، يكفي أن تشاهد نتائج حلمه اليوم لتحكم.
لم يؤسس عبد العزيز -رحمه الله- دولة فحسب، لقد أسس نهجًا سياسيًا متكاملًا واصله أبناؤه من بعده، أسس دولة تتزعم العرب والمسلمين وتناصر قضاياهم حتى في أبعد نقطة، يذكر الرئيس الموريتاني الأول المختار ولد داداه -رحمه الله- ذلك الدور بتقدير وإعجاب حين يتساءل ” كيف لبلد صغير مثل بلدنا بعيد جدًا من الديار المقدسة أن يحظى بهذا التضامن الوثيق من قبل خدام الحرمين الشريفين؟”.

في العالم نوعان من الدول، غالبية الدول والأمم هي غير مؤثرة وتعتمد على أفعال نوع آخر من الدول ذات الثقل والأهمية، ما أسسه عبد العزيز هو بلد من النوع الأخير، بلد يحدد دوره بنفسه وفقًا لإمكاناته المادية والمعنوية، هذه العينة تجدد نفسها عند كل دورة للتاريخ وكما كان ظهور معزي حدثًا تاريخيًا فريدًا جاء ظهور حفيده الأمير محمد بن سلمان تاريخيًا أيضًا ولكن في سياق آخر، حين كانت الصحف الغربية ومراكز “التفكير” الإستراتيجي تقول بأن نهاية السعودية وشيكة ظهر المجدد وأعاد للمملكة وهجها ودورها، من كان يتوقع نهاية المملكة وجد نفسه مضطرًا للاعتراف بأنها على وشك أن تحتل مكانًا مهمًا بين أهم الدول على الكوكب، من ربط وجودها بالنفط وجدها تتصدر بدائل النفط، نوشك أن نكون شهودًا على دورة ثانية من دورات العظمة السعودية.

إن كان هناك زعيم عربي حقق المستحيل في القرن العشرين؛ فهو بالتأكيد عبد العزيز بن عبد الرحمن وإن كان هناك من يحمل رؤية عظيمة للقرن الواحد والعشرين؛ فهو بدون شك حفيده، بين الماضي والمستقبل نتمنى للسعوديين في حاضرهم يومًا وطنيًا سعيدًا.

*كاتب موريتاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: