المقالات

أمن السعودية سيادة وطن… ومن يقترب يدفع الثمن

أمن السعودية سيادة وطن!! ليست عبارةً إنشائية ولا شعاراً يُستدعى عند الأزمات، بل قاعدة سيادية راسخة تحكم سلوك الدولة السعودية منذ تأسيسها، ويُقاس على أساسها الصبر كما يُقاس الحزم. فالمملكة قد تمارس أقصى درجات ضبط النفس، لكنها لا — ولن — تسمح بأن يتحوّل هذا الصبر إلى ثغرة يُهدَّد منها أمنها أو تُنتهك عبرها سيادتها، خصوصاً حين يقترب الخطر من حدودها أو يمسّ أمن الحرمين الشريفين. ما جري هذه الأيام في اليمن، ولا سيما في حضرموت والمناطق الشرقية والجنوبية، لم يكن مجرد صراعاً داخلياً عابراً، بل تأكد لكل العقلاء أنها فوضى مُدارة تقودها مليشيات مسلّحة خارجة عن سلطة الدولة الشرعية، وتحظى بدعم إقليمي مباشر، في مقدّمته الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي وميلشياته. هذه المليشيات لم تكتفِ بمخالفة الحكومة الشرعية، بل تجاوزت ذلك إلى انتهاك قرارات مجلس الأمن، وفرض الأمر الواقع بالقوة، وتحدّي الإرادة الدولية، مستخدمة السلاح بدل السياسة، والفوضى بدل الدولة. والنتيجة لم تكن استقراراً ولا أمناً، بل توسّعاً في الانقسام، وانهياراً أمنياً يهدد اليمنيين أولاً، ويفتح البلاد على احتمالات التفكك بدل استعادتها دولةً موحّدة.

وتزداد خطورة المشهد حين يُتعامل مع حضرموت وكأنها هامش تابع، بلا خصوصية تاريخية أو سياسية. فحضرموت، عبر تاريخها الطويل، لم تكن جزءاً من دولة مركزية صلبة، ولم تُدرج ضمن الكيان اليمني إلا قسراً عام 1967 مع قيام جمهورية اليمن الجنوبية، وبقي هذا الارتباط المفروض قائماً مدة (23) عاماً فقط، حتى قيام الوحدة اليمنية عام 1990. ثم دخلت مرحلة جديدة امتدّت (37) عاماً في ظل الدولة اليمنية الموحدة حتى اليوم، دون أن تُفضي إلى اندماج سياسي حقيقي أو شراكة وطنية عادلة، بقدر ما عمّقت الاختلالات، ووسّعت الفجوة بين المركز والإقليم. ولا يمكن فصل هذا الانفلات، خصوصاً في المناطق المحاذية للحدود السعودية، عن الأمن القومي للمملكة. فالسعودية ليست مراقباً بعيداً، بل دولة جوار وحدود ومسؤولية تاريخية تجاه اليمن. وكل سلاح خارج إطار الدولة، وكل كيان مسلح لا يعترف بالشرعية، يتحول بالضرورة إلى تهديد مباشر لأمن المملكة واستقرارها.

لقد أثبتت السعودية، منذ انطلاق التحالف العربي، أنها الأكثر التزاماً بالحل السياسي، والأكثر حرصاً على وحدة اليمن، والأكثر صبراً على تجاوزات الشركاء قبل الخصوم. لكنها كانت واضحة دائماً: الصبر خيار استراتيجي، لا حالة دائمة، وضبط النفس ليس تفويضاً مفتوحاً للعبث. وهنا يبرز السؤال المشروع بعد إخراج الإمارات من اليمن: هل تعود أبو ظبي إلى رشدها السياسي، وتتوقف عن دعم المليشيات، وتحترم سيادة الدول ومسارات الاستقرار؟ أم أنها ستواصل إدارة نفوذها عبر وكلاء محليين وأذرع مسلحة، كما هو الحال في ليبيا والسودان، وبما يُغذّي الصراعات بدل إنهائها؟ إن استمرار هذا النهج لا يهدد اليمن وحده، بل يزعزع أمن المنطقة بأكملها، ويضع المملكة أمام معادلة لا تقبل التأجيل: حماية سيادتها وحدودها بكل الوسائل المشروعة. وحين يقترب العبث من خطوط السيادة، فلا مكان للمجاملات، ولا قيمة للمبررات. أمن السعودية ليس محل اختبار، ولا قابلاً للتفاوض. ومن يسيء قراءة صبرها، يخطئ في فهم التاريخ والجغرافيا معاً. فالسعودية قد تصبر!! نعم. لكنها حين ترى التهديد يقترب من سيادتها، فإن الرد لا يكون بياناً، بل قرار دولة. وهنا تُفهم العبارة على حقيقتها: أمن السعودية سيادة وطن… ومن يقترب يدفع الثمن.

الخاتمة:
وختامًا، فإن الدعوة إلى الحياد أو عدم تأجيج الرأي العام في خضم هذه الأحداث، وبخاصة من قبل بعض عشّاق “سياحة دبي”، هي حديث ساذج لا يصمد أمام واقع ما يروّجه الإعلام الإماراتي هذه الأيام، وعلى ألسنة إعلاميين ومسؤولين كبار، من كذب وافتراء وتشويه ممنهج لصورة المملكة ومواقفها المشرفة. فالحياد لا يكون فضيلة حين يتحوّل إلى غطاء للتضليل، والمطالبة بضبط الصوت ليست اتزانًا، بل تواطؤ بالصمت أمام من يستهدف سيادة المملكة وتشويه سمعتها.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى