يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه نفحات الرحمة والمغفرة، ومذكِّراً القلوب بأن الغاية من الصيام ليست الجوع والعطش فحسب، بل تزكية النفس وتهذيبها، وتطهيرها من أدران الخصومة والشحناء. فهو شهر تتضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الرجاء، وتلين فيه القلوب إذا صدقت النيات، وتسمو الأرواح إذا خلصت المقاصد. غير أن المفارقة المؤلمة أن بعضنا يُجيد البكاء في التهجد، ويرفع يديه في الدعاء، ويتحرى مواطن الإجابة، لكنه في الوقت ذاته يحمل في قلبه خصومة قديمة، أو قطيعة ممتدة، أو جرحاً يرفض أن يندمل. وكأن رمضان عنده موسم عبادة ظاهرية، لا محطة مراجعة حقيقية لما بينه وبين الناس.
كم من خلاف بدأ بكلمة عابرة، أو موقف عارض، أو سوء فهم بسيط، ثم نما مع الأيام حتى صار قطيعة امتدت سنوات. تتراكم المشاعر، وتكبر المسافات، ويستقر في القلب شيء من القسوة يلبس ثوب الكرامة، بينما هو في حقيقته تمسك موجع بذكرى جرح قديم. ولو عُرضت تلك الأسباب على ميزان العقل والإنصاف، لبدت في كثير من الأحيان أصغر من أن تُبقي بين الأرحام والأقارب هذا الجفاء الطويل.
والأشد إيلاماً أن ترى من يبذل من ماله بسخاء، ويتكبد عناء السفر لأداء العمرة في المسجد الحرام، ويقوم الليل خاشعاً باكياً، يسأل الله المغفرة ويتضرع أن يتجاوز عنه كثيراً من الذنوب وربما كبائرها، بينما هو لم يتجاوز عن أخيه أو قريبه زلة صغيرة جعلها ذريعة لقطيعة طويلة. أي مفارقة هذه التي تجعل الإنسان يرجو عفواً واسعاً من الله، وهو يضيق صدره عن عفوٍ يسير لعباد الله؟ وكيف يطلب الصفح من السماء، وهو يحجبه عن الأرض؟
ومع ذلك، فإن الحديث عن التسامح لا يعني التفريط في الحقوق أو إهدار المظالم. فإذا كان سبب الخصومة حقاً ثابتاً لأحد الأطراف، فالمطالبة به مشروعة، والسعي لاسترداده لا يتعارض مع صلة الرحم ولا مع روح التسامح. يمكن للإنسان أن يطالب بحقه عبر المصلحين والحكماء، أو عبر القضاء، إن لزم الأمر. فالحقوق لا تضيع بالمطالبة بها، لكن الذي لا ينبغي أن يستمر هو القطيعة والجفاء، ولا أن يتحول الخلاف إلى عداوة دائمة، أو قطيعة تورَّث للأبناء جيلاً بعد جيل. إن القلب الذي لا يعرف التسامح يبقى مثقلاً، مهما أكثر صاحبه من النوافل والصدقات. فصلاح الظاهر لا يكتمل دون صفاء الباطن، وقيام الليل لا يثمر أثره الكامل إذا كان في القلب حقد دفين أو خصومة مزمنة. التسامح ليس ضعفاً، ولا تنازلاً عن الكرامة، بل هو رفعة في الخلق، وقوة في النفس، وانتصار على هوى الأنا. هو قرار شجاع بأن نختار رضى الله وراحة قلوبنا، على لذة انتصار مؤقت للنفس. رمضان فرصة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات، ولمدّ الجسور التي تهدمت، ولإحياء صلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل. مكالمة صادقة قد تعيد دفء سنوات، وزيارة قصيرة قد تذيب جليد قطيعة طال أمدها، وكلمة “سامحتك” قد تفتح باباً من الطمأنينة لم يكن في الحسبان. وما أجمل أن يستقبل الإنسان العيد بقلب خالٍ من الضغائن، صافٍ من الأحقاد، مطمئن لأنه بادر فأصلح، وعفا فتجاوز.
الأعمار قصيرة، ولا أحد يضمن أن يدرك رمضان آخر، أو أن يجتمع بمن خاصمهم مرة أخرى. كم من إنسان ندم حين فقد قريباً كان بينه وبينه خلاف، وتمنى لو أن الزمن عاد به ليبادر بخطوة صلح أو كلمة طيبة، لكن بعد فوات الأوان لا ينفع الندم. وربما وأنت تقرأ هذه الأسطر الآن، يتسلل إلى ذاكرتك اسمٌ بعينه… قريبٌ غاب صوته، أو صديقٌ انقطعت رسائله، أو زميلُ عملٍ أثقل الخلافُ بينك وبينه المسافة، أو جارٌ طال بينكما الصمت. قد يكون بينكما سوء فهمٍ صغير تضخّم مع الأيام، أو كلمةٌ لم تجد من يداويها. لا تؤجّل هذه الخاطرة. لا تنتظر أن يسبقك القدر بخبرٍ لا يُحتمل. بادر باتصالٍ خجول أو برسالة، ولو بكلمة: “اشتقتنا لكم”. فكم من قطيعةٍ انتهت بندم، وكم من قلبٍ تمنّى لو عاد به الزمن ليخطو خطوةً كان بإمكانه أن يخطوها ولم يفعل. اجعل من ه ذا رمضان بداية صفحة لا يحمل سطورها إلا الصفح، ولا تزيّن هوامشها إلا صلة الرحم. أطفئ نار القطيعة قبل أن تطفئ الأعمار فرص اللقاء. فمن أراد أن يلقى الله بقلبٍ سليم، فليبدأ اليوم… الآن… بمصالحة إنسانٍ ينتظر منك خطوة، وربما لا يملك الشجاعة ليبدأ.



