المقالات

الدولة الوظيفية.. وإدارة الفوضى بقلم: د. عبدالله بن علي النهدي

في الأدبيات السياسية الحديثة، يُستخدم مفهوم (الدولة الوظيفية) لوصف الكيانات التي لا يتشكل سلوكها السياسي انطلاقاً من توازن داخلي طبيعي أو عقد اجتماعي متين، بل من وظيفة محددة تُؤدَّى ضمن منظومة إقليمية أو دولية أوسع. في هذا النموذج، يصبح النشاط الخارجي المكثف وسيلة لتعويض اختلالات الداخل، وتتحول السياسة الخارجية من أداة حماية للمصالح الوطنية إلى وسيلة لتأكيد الحضور السياسي وفرض النفوذ، ولو كان ذلك على حساب استقرار الدول الأخرى. وعند إسقاط هذا المفهوم على الحالة الإماراتية، تبرز بنية داخلية غير متوازنة، يتصدرها تركّز القرار السياسي والسيادي في مركز اتحادي واحد، مقابل تفاوت ملحوظ في مستويات النفوذ والصلاحيات بين مكوّنات الاتحاد. فرغم أن الاتحاد، من حيث الشكل الدستوري، يقوم على مبدأ الشراكة بين الإمارات السبع، إلا أن الممارسة العملية تكشف عن فجوات في آليات اتخاذ القرار وتوزيع الموارد والمسؤوليات السيادية. وتظهر هذه الفوارق بصورة أوضح عند المقارنة بين الإمارات ذات الثقل السياسي والاقتصادي الأكبر، وبين إمارات أخرى مثل الشارقة ورأس الخيمة، حيث يلاحظ عدد من المتابعين تفاوتاً في مستويات التنمية وفرص الاستثمار، إلى جانب اعتماد أكبر على الدعم المركزي في بعض الملفات، بما يحدّ من فاعلية المشاركة الاتحادية المتوازنة. وفي مثل هذه السياقات، تميل بعض الدول ذات البنية الاتحادية غير المستقرة إلى تعويض اختلالات الداخل عبر أدوار خارجية نشطة، تتحول فيها السياسة الخارجية من أداة لحماية المصالح الوطنية إلى وسيلة لتثبيت الموقع الإقليمي وتعزيز الحضور السياسي، غير أن هذا الدور الوظيفي، في محصلته النهائية، لا يخدم استقرار الإقليم ولا مصالح الشعوب العربية والإسلامية، بقدر ما يصبّ في مصلحة إسرائيل، بوصفها المستفيد الاستراتيجي الأبرز من تفكك الدول العربية، وإضعاف جيوشها، واستنزاف طاقاتها في صراعات داخلية، وهي التي تمثل، بحكم الواقع والتاريخ، خصماً وعدواً للأمة في قضاياها المركزية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التدخلات الإماراتية في عدد من الساحات العربية، ليس بوصفها مواقف ظرفية أو استجابات أمنية، بل كجزء من عقيدة سياسية قائمة على إدارة الصراعات بدل حلّها، وتفكيك الدولة الوطنية بدل دعمها. ففي ليبيا، أسهم الدعم الإماراتي لطرف عسكري بعينه في تعميق الانقسام، وتعطيل أي مسار وطني جامع، وتحويل الصراع من أزمة سياسية قابلة للحل إلى حالة استنزاف مفتوحة، بما يخدم استمرار النفوذ الخارجي على حساب قيام دولة مستقرة ذات سيادة. وفي السودان، تكرر المشهد بصورة أكثر خطورة، عبر دعم قوى مسلحة موازية لمؤسسات الدولة، ما أدى إلى إضعاف السلطة المركزية، وتسريع انزلاق البلاد إلى صراع دموي شامل. لم يكن هذا التدخل منحازاً لوحدة السودان أو استقراره، بل أسهم عملياً في تفكيك بنيته السيادية، وتحويله إلى ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما يتسق مع منطق الدولة الوظيفية التي ترى في الفوضى فرصة، وفي ضعف الدول مدخلاً للنفوذ. أما في اليمن، فقد بلغ هذا السلوك ذروته الأكثر وضوحاً، من خلال دعم مليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، ورعاية مشاريع انفصالية صريحة، تحت شعارات الشراكة ومكافحة الإرهاب. وبدل أن يكون التدخل داعماً لوحدة اليمن واستعادة دولته، تحول إلى عامل رئيس في تفتيت الجغرافيا السياسية، وإضعاف الحكومة الشرعية، وترسيخ واقع المليشيات والكيانات الموازية، بما يهدد ليس اليمن وحده، بل أمن المنطقة بأكملها.

وفي مقابل هذا الدور الوظيفي الذي تؤديه الإمارات باقتدار في ساحات الآخرين، يبرز تناقض لافت في تعاملها مع قضية تمس سيادتها المباشرة، والمتمثلة في الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران. فعلى الرغم من أن هذه القضية تمثل انتهاكاً واضحاً وصريحاً للسيادة الوطنية، لم تُبدِ الإمارات جهداً دبلوماسياً جاداً ومؤثراً لاستعادتها، ناهيك عن تبنّي خيارات ضغط حقيقية، سياسية أو قانونية أو غير ذلك، كما فعلت بلا تردد في اليمن والسودان وليبيا. ويكشف هذا العجز، أو التجاهل المتعمّد، أن معيار التدخل لا تحكمه اعتبارات حماية السيادة أو الدفاع عن الحقوق الوطنية، بقدر ما تحكمه حسابات الدور الوظيفي المرسوم، حيث تُدار الصراعات في ساحات الآخرين بجرأة، بينما تُجمَّد القضايا السيادية الذاتية حين تتعارض مع مصالح القوى الأكبر. وفيما يخص الشأن الداخلي الإماراتي، يفرض السؤال نفسه بقوة من منظور سيادة الدولة والقانون الدولي: هل يمكن تصور أن تقبل الإمارات، دولةً وشعباً، أن تقوم دولة عربية أو أجنبية باستغلال الإشكالات التي تعاني منها بعض إمارات المكوّن الاتحادي، ولا سيما الإمارات الشمالية، عبر دعم كيانات مسلحة أو مشاريع موازية للدولة تحت ذرائع الخصوصية المحلية أو «تصحيح المسار السياسي»؟ ويزداد هذا التساؤل وجاهة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن كل إمارة من هذه الإمارات كانت، قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، كياناً قائماً بذاته يتمتع بقدر من الاستقلال والسيادة. إن مثل هذا الفعل، وفق الأعراف والقواعد المستقرة في القانون الدولي، يُعد انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وجريمة سياسية مكتملة الأركان. وإذا كان الجواب، وهو بلا شك، رفضاً قاطعاً لمثل هذا التدخل في الشأن الداخلي، فإن المنطق ذاته يقتضي التزام هذا المعيار في السياسة الخارجية، حتى لا يتحول خطاب السيادة والاستقرار إلى أداة انتقائية تُستخدم حيث يخدم الدور الوظيفي، وتُغيب حيث تمس المصالح العليا للدول الأخرى، بما يكرّس ازدواجية المعايير ويُقصي القانون الدولي عن موقعه الطبيعي.

إن أخطر ما في نموذج الدولة الوظيفية ليس فقط تدخلها في شؤون الآخرين، بل تطبيعها لفكرة تفكيك الدول، وتحويل الانفصال إلى أداة سياسية مشروعة، والسيادة إلى ورقة تفاوض. والتاريخ السياسي مليء بالشواهد التي تؤكد أن من يساهم في إضعاف الدول من حوله، ويزرع بذور التفكك في الإقليم، لا يمكنه أن يضمن بقاء هذا الحريق بعيداً عن حدوده إلى الأبد.

خير ختام:
قال تعالى:﴿ولا يحيقُ المكرُ السيءُ إلا بأهله﴾

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى