لم يكن هروب عيدروس الزبيدي من عدن، بتلك الطريقة الملتوية، وعبر رحلة مكوكية انطلقت من عدن مروراً بربرة ثم مقديشو، قبل أن تستقر به في أبوظبي، حدثاً عابراً أو تصرفاً شخصياً معزولاً عن السياق؛ بل جاء ليكشف مرة أخرى جانباً من الدور الخفي الذي تؤديه الإمارات كدولة وظيفية، لا تتحرك بدافع مصالح وطنية ذاتية، بل وفق أدوار مرسومة ضمن منظومة إقليمية أوسع، يكون تفكيك الدول وزعزعة استقرارها جزءاً من مهامها غير المعلنة. فالزبيدي، الذي وافق رسمياً على حضور مؤتمر الرياض ثم انسحب فجأة في اللحظات الأخيرة، لم يكن يفتقر إلى الطموح أو الرغبة في المناورة السياسية، بقدر ما كانت إرادته السياسية مرتهنة بالكامل لسقف القرار الإماراتي. ويبدو أن أبوظبي، التي خرجت من المشهد اليمني تواجداً مباشراً على الأقل؛ باتت تخشى من أي محاولة قد يُقدم عليها الزبيدي لـ«فرط السبحة» أو الانقلاب على خطوط الدعم والارتباط، أو السعي لإعادة التموضع السياسي بما يضمن له موطئ قدم أو منصباً في المرحلة القادمة. هذا التراجع المفاجئ لا يمكن تفسيره إلا في إطار الضغط المباشر من أبوظبي، خاصة في ظل وجود أسرته هناك، وهو ما يحوّل الرجل من فاعل سياسي إلى ورقة مرتهنة. فالزبيدي ليس مجرد قائد محلي، بل يمثل الصندوق الأسود لمراحل دقيقة من التدخل الإماراتي في الجنوب اليمني، وتحرّكاته باتت محسوبة بدقة، خشية أن تتغير حساباته أو يخرج عن الدور المرسوم له في لحظة فاصلة.
وتكشف محطات هذا الهروب بحد ذاتها عن دلالات سياسية لافتة. فأرض الصومال، التي مرّ بها الزبيدي في طريقه إلى أبوظبي، لم تكن مجرد ممر جغرافي عابر، بل إحدى حلقات النفوذ الإماراتي الممتد في المنطقة، والذي ارتبط خلال السنوات الماضية بقواعد عسكرية وموانئ واتفاقيات مشبوهة أثارت كثيراً من الجدل. ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية حين يتزامن مع اصطفافات سياسية إقليمية برزت مؤخراً، ولا سيما في ظل إعلان حكومة الكيان الصهيوني اعترافها بحكومة أرض الصومال. فهذا التزامن الزمني لا يبدو صدفة، بل يعكس تقاطع مصالح وأدوار تُدار خلف الكواليس. وفي هذا السياق، يتضح أن الدور الإماراتي لا يقتصر على الساحة اليمنية وحدها، بل يمتد إلى محاولة إعادة تشكيل خرائط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ضمن أجندات تتجاوز أمن المنطقة واستقرارها، وتُدار وفق منطق “الدور الوظيفي” أكثر من منطق الشراكة الإقليمية الحقيقية. وفي اليمن، لا يقتصر هذا الدور على دعم تشكيلات انفصالية أو تغذية صراعات داخلية، بل يتجاوز ذلك إلى مشروع تفكيك ممنهج يضرب وحدة الدولة اليمنية، ويخلق بؤر توتر دائمة على حدود المملكة العربية السعودية. فإضعاف اليمن ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة الإقليمية، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة استنزاف أمني وسياسي، بما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي.
ولا يمكن عزل هذا المشهد عن السجل الإماراتي في ليبيا والسودان، حيث تكررت ذات الأنماط: دعم أطراف مسلحة، تعطيل المسارات السياسية، وإدارة الفوضى تحت عناوين براقة. ومن غير المستبعد أن يحمل الزبيدي، بحكم موقعه وصلاته، معلومات حساسة عن تشابك هذه الملفات، وعن طبيعة التنسيق الذي جرى خلف الكواليس بين أبوظبي وهذه الساحات المتفجرة. إن ما جرى ليس مجرد “هروب سياسي”، بل حلقة ضمن سلوك وظيفي متكرر، تتحول فيه العواصم الهشة إلى مسارح أدوار، والقادة المحليون إلى أدوات قابلة للتحريك أو الكبح حسب الحاجة. وفي هذا السياق، يصبح الزبيدي شاهداً أكثر منه صانع قرار، وتصبح الإمارات لاعب ظلّ، يحرك الخيوط ثم يختفي خلف واجهات محلية. إن قراءة هذا المشهد بمعزل عن مجمل الدور الإماراتي في المنطقة تُفقده معناه الحقيقي. أما وضعه في سياقه الإقليمي الأشمل، فيكشف بوضوح أن ما يجري ليس صدفة، بل جزء من مقاربة قائمة على التفكيك وإدارة الفوضى، لا تخدم اليمن، ولا أمن المملكة العربية السعودية، ولا مصر، ولا استقرار المنطقة، بقدر ما تخدم أجندات خارجية اعتادت أن تجد في “الدول الوظيفية” أداتها الأنسب. غير أن هذه المقاربة، التي تحاول الإمارات الاضطلاع بها، باتت تواجه تعثّراً واضحاً في الآونة الأخيرة، مع تراجع قدرتها على ضبط الأدوات المحلية واحتواء تداعيات سياساتها، ما يضع هذا الدور برمّته أمام اختبار حقيقي.



