في العلاقات الإقليمية، لا تُقاس القيادة بارتفاع الصوت ولا بضجيج الخطاب، بل بقدرة تلك القيادة على إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى فوضى، وعلى احتواء التباينات قبل أن تنفلت من عقالها. وقد مارست المملكة العربية السعودية هذا الدور لعقود، متقدمة الصفوف حين غاب الآخرون، ومتحملة كلفة الاستقرار في محيطٍ لم يكن مستقراً يوماً. تعاملت المملكة مع محيطها كما يتعامل الأب مع أبنائه؛ رعاية في مراحل التأسيس، ودعم في أوقات الضعف، وتغليب للحِلم حتى عندما كانت الاستفزازات تُقابل بالصمت. غير أن السياسة، كالعائلة، لا تبقى على حال واحدة. فحين يكبر الأبناء، تتغير القواعد، ويصبح الاحترام المتبادل والشراكة المتوازنة هما الأساس. وهنا طبّقت المملكة مبدأً واضحاً: “إذا كبر ابنك خاويه.” إلا أن بعض الأطراف قرأت هذا التحول قراءة قاصرة. فبدل أن تفهمه انتقالاً إلى النضج السياسي وتقاسم المسؤولية، تعاملت معه كمساحة فراغ، وفسرته على أنه تراجع في الدور أو ضعف في الإرادة. ومع هذا الفهم الخاطئ، بدأت ممارسات باتت معروفة: مغامرات خارج الإجماع، وأدوار تتجاوز الحجم الحقيقي، وعبثٌ بخطوط توازن حساسة، ظنّ أصحابها أنها بلا حارس.
وفي هذا السياق، برز خطاب حاول تأطير هذا السلوك تحت لافتة “النضج الجديد”، مروّجاً لفكرة أن المرحلة تُقاس بما سُمّي “امتلاك العضلات، في إشارةٍ إلى تصريحات مفادها: كنّا صغاراً، أما اليوم فقد كبرنا وصار لدينا عضلات. ولم يكن هذا الوصف مجازاً عابراً، بل تعبيراً عن تحوّل ذهني في مقاربة الدور الإقليمي، من منطق الشراكة والمسؤولية إلى خطاب القوة المجردة. وحين تصدر مثل هذه اللغة من منصات محسوبة على دوائر القرار، فإنها لا تبقى في إطار التحليل، بل تنعكس سلوكاً يبرّر تجاوز التوافقات والدخول في مغامرات غير محسوبة. فالقوة في العلاقات الدولية لا تُقاس بقدرتها على الظهور، بل بقدرتها على الضبط، ولا تُمارَس لإثبات الحضور، بل لحماية التوازن. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن استدعاء «منطق العضلات» دون اكتمال أدوات الحكمة لا يراكم نفوذاً مستداماً، بل ينتج أزمات متتابعة، ويحوّل القوة من عنصر ردع إلى عبء سياسي على صاحبها.
في كل أسرة، حين تتحول الحرية إلى فوضى، ويُتخذ الاستقلال ذريعة للإضرار بالآخرين، لا يكون الصمت حكمة، بل تخلياً عن المسؤولية. وهكذا في السياسة الإقليمية؛ فحين تهدد تصرفات طرفٍ ما استقرار البيت كله، يصبح التدخل التصحيحي واجباً لا خياراً. ما شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة من عودة للوضوح والحزم بعد مراحل طويلة من ضبط النفس، ليس تغييراً في النهج السعودي، بل تصحيح لمسار أُسيء فهمه طويلاً. فالحِلم لا يعني التخلي، والشراكة لا تعني السماح بالانفلات، والصبر ليس شيكاً مفتوحاً للمقامرة بأمن الآخرين. السعودية، حين تختار الحزم، لا تفعل ذلك بدافع الهيمنة، بل من منطلق مسؤوليتها كدولة محورية تدرك أن ترك الأخطاء تتراكم أخطر من مواجهتها في وقتها. فالأب الذي لا يُقوِّم لا يربي، والدولة التي لا تضبط الإيقاع حين يختل، تتنازل طوعاً عن دورها القيادي. وفي النهاية، الرسالة واضحة لمن يريد أن يقرأها بوعي: الشراكة مكسب، والحِلم فضيلة، لكن إساءة الفهم لها ثمن. وإذا كان مبدأ المرحلة هو مخاواة الكبار، فإن الانحراف عنه يعيد تلقائياً دور الأب: لا للانتقام، بل للتربية.
0

