من الظلم اختزال الدور السعودي في اليمن في البعد العسكري فقط، فذلك يتجاهل مساراً كاملاً عملت عليه المملكة، بينما انخرطت أطراف إقليمية أخرى في إنتاج الفوضى بوصفها مشروع نفوذ دائم. منذ دخولها اليمن تحت لافتة التحالف، لم تتجه أبوظبي لدعم مؤسسات الدولة، بل عملت على تفريغها من مضمونها عبر إنشاء سجون سرية وتشكيلات مسلحة خارج سلطة الحكومة الشرعية، وإدارة المشهد الأمني بمنطق المليشيا. حتى أشجار «دمّ الأخوين» في سقطرى لم تسلم من هذا العبث، إذ اقتُلعت ونُقلت إلى خارج اليمن في مشهد غريب يوحي بأن من نفّذوا العملية ظنّوا أن الاسم يحمل ارتباطاً عضوياً وأيدولوجياً بـمصطلح «الإخوان المسلمين»!!
هذا الدور يعزز صحة الاتهامات الموجهة للإمارات بدعم الإرهاب عبر شركاتها، إذ كشفت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية في يوليو 2025 عن استخدام شركات إماراتية، من بينها أركان مارس للبترول ذ.م.م. وأونكس تريدنج ذ.م.م.، كواجهات مالية ولوجستية لتمويل جماعات مسلحة داخل اليمن، كما امتد دورها إلى ليبيا والسودان ودول أخرى، حيث ساهمت في تغذية النزاعات وتجهيز المرتزقة، ما يرفعها من تجاوزات فردية إلى سياسة دولة ممنهجة. في اليمن، كان المجلس الانتقالي الجنوبي التعبير المحلي الأوضح، أداة سياسية وأمنية جرى تضخيمها وتسليحها لتقويض الدولة وتحويل عدن إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
في المقابل، اختارت المملكة العربية السعودية مساراً مختلفاً؛ لم تراهن على مليشيات متعددة الولاءات، بل دعمت الجيش الوطني النظامي وأعادت الاعتبار للحكومة الشرعية، بما يوفر إطاراً جامعاً للدولة. وفي خطوة استراتيجية إنسانية، صرفت المملكة راتب شهرين لموظفي الدولة لحماية انتظام المؤسسات وسدّ باب الابتزاز الذي تمارسه المليشيات. كما أسهمت المملكة في دعم وإنشاء مشاريع تنموية حقيقية، أبرزها تشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان لثلاث سنوات، وإطلاق أول محطة لتحلية مياه في تاريخ اليمن، وتأهيل مطار عدن الدولي وربطه بالعالم، في مشاريع تضع المواطن والبنية التحتية في قلب الأولويات.
اليوم، ومع هذا التحول الواضح، تقف عدن على مفترق طرق: إما استعادة الدولة وإنهاء سلطة الكيانات الموازية، أو الانزلاق مجدداً إلى مشروع الانتقالي المدعوم إماراتياً، الذي لم يترك سوى الانقسام والانهيار. أي دعوات لإعادة الفوضى الأمنية ليست مجرد رأي سياسي، بل محاولة لإحياء زمن الاغتيالات ونقاط التفتيش غير القانونية، كما حدث في أغسطس 2019. وفي مواجهة هذا الواقع، يتكشف دور الإمارات عبر شركاتها وشركائها في اليمن وليبيا والسودان وغيرها من الدول عن سياسة ممنهجة تستخدم المال والشركات كأدوات نفوذ سياسي وأمني. ومع تكرار هذا السلوك، تتحول المسؤولية من تجاوزات فردية إلى مسؤولية دولة كاملة، بما يضع أبوظبي أمام مساءلة قانونية وأخلاقية مباشرة، لكونها وفرت أدوات تمكين للمليشيات خارج إطار الدولة، وهو ما يشكل تواطؤاً منهجياً في تقويض الاستقرار الإقليمي وانتهاك قواعد النظام الدولي.

