المقالات

استراتيجية التصفيق للحمار الميت

كثيراً ما يُتداول في أدبيات الإدارة مثالٌ ساخر يُعرف: بـ“نظرية الحصان الميت”؛ مفاده عندما تكتشف أن الحصان الذي تركبه قد مات، فالمنطق السليم يقول إن عليك أن تترجل عنه. لكن في بعض البيئات المؤسسية يحدث العكس تماماً؛ إذ تُشكَّل لجان لدراسة أسباب تعثر الحصان، وتُطلب تقارير إضافية لتحسين أدائه، ويُستقدم مستشارون لإعادة تعريف مفهوم “الموت”، لتبرير أن الحصان ما زال صالحاً للركوب. وقد يُعاد توصيف الحصان بأنه “يمر بمرحلة تحول إستراتيجي” بدل من الاعتراف بالحقيقة الواضحة. تكمن خطورة هذا السلوك في أنه لا يقتصر على عناد إداري عابر، بل يتحول إلى نمط مؤسسي كامل يستهلك الموارد والوقت والثقة العامة. تُعلن الخطط الاستراتيجية بحماس، وتُصاغ الرؤى بعناية لغوية، وتُطلق المبادرات بعناوين براقة، لكن بعد سنوات يتبيّن أن مؤشرات الأداء لم تتغير جوهرياً، وأن ما تحقق أقل بكثير مما وُعد به. ومع ذلك، تستمر العروض التقديمية في التأكيد أن المرحلة القادمة ستكون مختلفة، وأن التأخير كان جزءاً من إعادة ضبط المسار.

ثمة مفارقة يصعب تبريرها؛ أن بعض المؤسسات والجامعات والمعاهد التي تتصدر مشهد التطوير!! وتقدّم نفسها مرجعاً في صياغة الاستراتيجيات وبناء القيادات، تبدو عاجزة عن إدارة تحولها الداخلي بالكفاءة ذاتها التي تنصح بها الآخرين. فهي تُنتج الأدلة، وتُصمّم البرامج، وتمنح الشهادات في القيادة وإدارة التغيير، لكنها حين تُختبر في ميدانها الخاص، تتعثر في التنفيذ، وتتأخر في الإنجاز، وتعيد جدولة ما سبق أن التزمت به دون تفسيرٍ شفاف أو مراجعة جذرية. المشكلة هنا ليست في تأخر مشروع أو تعثر مبادرة؛ فكل مؤسسة معرضة لذلك. الخطورة في التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. كيف يمكن لمؤسسة تُدرّس قياس الأداء أن تتجنب إعلان نتائجها؟ كيف لجهةٍ تُحاضِر في المساءلة أن تتحصن خلف لجانٍ متتابعة في التسويف كلما حان وقت التقييم؟ وكيف لمن يدعو إلى الرشاقة المؤسسية أن يبقى أسير ترهل تنظيمي ودورة قرار بطيئة تستهلك الوقت أكثر مما تنتج القيمة؟ ما يحدث أحياناً ليس تحديات مرحلية كما يُقال، بل نمطاً متكرراً من تأجيل الاعتراف بالمشكلة. تتغير المصطلحات، وتُعاد صياغة الأهداف، ويُعلن عن مرحلة جديدة في كل عام تقريباً، بينما تظل النتائج تراوح مكانها. يصبح التحول شعاراً متجدداً، لا برنامجاً محدداً بمؤشرات واضحة ومواعيد مُلزِمة. ومع كل تأجيل، تتآكل المصداقية، ويكبر الفارق بين ما يُقال في الاجتماعات وما يُمارس في المكاتب.

إن المشكلة ليست في الخطأ الأول، بل في الإصرار على الاستمرار فيه. الاعتراف بأن الخطة لم تحقق مستهدفاتها ليس هزيمة، بل خطوة ناضجة نحو تصحيح المسار. أما تجميل النتائج أو تأجيل المواجهة، فهو استنزاف مزدوج: استنزاف للموارد، واستنزاف للثقة. والمؤسسات الحكومية على وجه الخصوص، بحكم مسؤوليتها العامة، مطالبة بأن تكون أكثر شفافية وشجاعة في التقييم الذاتي؛ فالثقة التي تتآكل بسبب تكرار الوعود غير المنجزة لا تُستعاد بحملات إعلامية أو تقارير مطوّلة. المؤسسة التي لا تطبق على نفسها ما تفرضه معياراً على غيرها تفقد تدريجياً حقها الأخلاقي في الوعظ الإداري. فالتطوير ليس محاضرة تُلقى، ولا إطاراً يُعلّق على الجدران، ولا تقارير استشارية تُكدَّس في الأدراج، بل التزام عملي يبدأ من الداخل ويُقاس بالأثر لا بالشعارات. وعندما يطول الإنكار، ويتكرر الفشل، ويتحول المشروع من مبادرة واعدة إلى عبء يُجرّ خلف العربة، فإن المشكلة لم تعد في صعوبة التحول، بل في غياب الشجاعة لاتخاذ قرار واضح: إما إعادة بناء المسار على أسس جديدة، أو التوقف عنه.

والحقيقة أن الإخفاقات ليست واحدة؛ فهناك مؤسسات تقع ضمن ما يمكن تسميته بـ“استراتيجية الحصان الميت”، حيث يبدأ المشروع بفكرة واعدة، لكنه يتعثر في خطواته أو يُساء تنفيذه حتى يفقد زخمه. غير أن هناك مؤسسات أخرى ورغم قلة عددها، إلا أنها تمثل نمطاً أعمق يمكن وصفه بـ“استراتيجية التصفيق للحمار الميت”؛ إذ يكون الخلل في الأصل لا في المسار، وفي الفكرة لا في التطبيق. هنا لا نتحدث عن حصانٍ كان صالحاً للسباق ثم مات، بل عن خيارٍ لم يكن مهيأً له منذ البداية. ومع ذلك يستمر الانشغال بتجميل الصورة وإعادة توصيف الواقع، وكأن المشكلة في مستوى التصفيق لا في طبيعة المركوب. وعندها لا يعود الأمر مجرد ركوب حصانٍ ميّت، بل يصبح أشبه بمحاولة إقناع الناس بأن الحمار الميّت يمكن أن يفوز بالسباق إذا صفّقنا له بما يكفي.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى