المجتمع

رحل الرمز سعود… وبقي الأثر

بإيمانٍ راسخٍ بقضاء الله وقدره، وبحزنٍ عميق يعتصر القلب، نودّع اليوم أخًا عزيزًا، وصديقًا وفيًا، ورمزًا من رموز قبيلة المشاييخ، الأستاذ سعود الشيخي، مدير فرع وزارة الثقافة والإعلام بمنطقة مكة المكرمة سابقًا.

رحل رجلٌ عرفه الناس كريمَ النفس، طيبَ السيرة، قريبًا من الجميع، حاضرًا أينما حضرت المواقف النبيلة، سبّاقًا إلى أعمال البر، محبًا للخير وأهله، لا يتأخر عن السؤال، ولا يتردد في السعي.

ليس من السهل أن تكتب عن صديقٍ رحل، ولا أن تختصر في كلماتٍ رجلًا كان قلبه أكبر من المناصب، وأثره أعمق من الألقاب؛ فقد كان – رحمه الله – شاهدًا حيًا على معنى المسؤولية حين تتحول من منصبٍ إلى رسالة، ومن لقبٍ إلى خدمة، ومن حضورٍ رسمي إلى قربٍ إنساني يلامس الناس ويخفف عنهم.

عرفناه رجلَ خيرٍ وتنمية، لا يضيق صدره بطلب، ولا يملّ من السؤال: ماذا تحتاج دوقة؟ وماذا أستطيع أن أقدم؟ كان يتصل بنفسه، ويتابع، ويبحث عن كل نافذة يمكن أن تتحول إلى فرصة نفع، دون ضجيج، ودون انتظار مقابل.

لقد كان – رحمه الله – أكثر من صديق؛ كان داعمًا ومساندًا صادقًا، ومحفزًا كريم النفس، يحب أن يرى الخير ينتشر، وأن يشاهد الأعمال المميزة، وأن يُنسب النجاح لمن يستحقه لا لمن يطلبه.

ومن المواقف التي لا تُنسى، أنه اتصل بي يومًا مهنئًا ومباركًا انضمامي إلى إحدى اللجان المنبثقة من مجلس المحافظة، مؤكدًا أن الاختيار جاء لمن يستحق ويعرفه الجميع، وأنه سيكون إضافة. لم يكن اتصالًا عابرًا، بل رسالة دعم صادقة، وتجسيدًا لطبيعته النبيلة التي لا تتأخر عن التشجيع والتحفيز، وبثّ الثقة في أبناء مجتمعه وبلدته دوقة.

وكان – رحمه الله – كثير الإلحاح عليّ بإقامة حفل تكريم لي، إحسانًا في ظنه بأخيه، وتقديرًا لما يقدمه لخدمة أهل دوقة من خلال جمعية غراس دوقة وغيرها، وكنت أعتذر له في كل مرة، وأؤجل ذلك إلى وقتٍ آخر، لعلّي أثنيه عن هذه النية، ولا أريد أن أكلّف عليه فوق ما يقوم به من مبادرات وتكريم لأبناء القبيلة، ولكنها هِمّة الكبار التي لا يثنيهم عنها اعتذار ولا تأجيل؛ فالتكريم عنده خُلُق قبل أن يكون مناسبة.

ومن المحطات التي ستظل شاهدةً عليه جهده الكبير في الملف البلدي والخدماتي بمركز دوقة؛ كنت معه خطوة بخطوة، وكأني المستشار لأبي سلطان – رحمه الله – نتحدث عن المشاريع والاحتياجات، وكان من أوائل الداعمين والمتابعين لإنهاء معاناة الأهالي في مخطط دوقة، يحمل هذا الملف همًا حقيقيًا، ويجعله أولوية، حتى رأينا المخطط يرى النور، وكم كان فرحًا يوم تحقق ذلك.

وكان اهتمامه كذلك بملف تشغيل المبنى الجديد لمركز صحي دوقة الأولى، فكان له فيه السبق والجهد، وبفضل علاقاته وتواصله ومكانته تم – بعد الله – ما كان يبدو للناس بعيدًا أو صعبًا. كما كان حريصًا على تحديد احتياجات دوقة وأولوياتها من خلال عضويته بالمجلس المحلي بالمحافظة، واضعًا مصلحة الناس فوق كل اعتبار.

ولا عجب؛ فهو رجل عاش للناس لا لنفسه، رجل إذا أعطى أعطى بثقة، وإذا سعى سعى بمحبة، وإذا وعد وفى، وإذا حضر أزهر المكان بأخلاقه وأدبه وسمته.

وكان – رحمه الله – عضوًا شرفيًا في جمعية البر بدوقة، يسندها بكلماته قبل عطائه، ويثني عليها ثناءً عاطرًا أمام الجميع، أمام رجالات الدولة ورجال الأعمال، يرفع من قيمتها، ويعرّف برسالتها، ويُظهر أثرها، وكأنه أحد أبنائها العاملين لا مجرد عضو شرف.

لقد كانت لحظة الوداع – رغم ألمها – رسالة محبة كبيرة، إذ شهدت الصلاة عليه في جامع القريقري بجدة جموعًا غفيرة من مختلف القبائل والنواحي، شاركت بالدعاء والمواساة، وما ذاك إلا انعكاس لما غرسه في القلوب من تقدير ومحبة.

رحيلك يا أبا سلطان ليس خبرًا عابرًا، بل فقدٌ موجع، وجرح لا تداويه الأيام بسهولة. فقدناك اليوم، ولن نفقد حضورك؛ لأنك تركت أثرًا لا يموت، وصوتًا في الذاكرة لا يغيب، ومواقف تبقى نبراسًا لمن يأتي بعدك.

وإني – والله – أعجز عن الكتابة والتعبير؛ أكتب وأنا لا أستطيع شرح ما في نفسي، وإن كانت العين لا تملك إلا الدمع، والقلب لا يملك إلا الألم، فإننا نؤمن أن كل ما قضاه الله خيرٌ وحكمة، وأن الفراق مهما كان صعبًا فهو قدرٌ لا مفر منه، وأن العزاء الحقيقي هو الرضا والتسليم، والدعاء الصادق لمن رحل بالرحمة والمغفرة.

ولعل أصدق ما يلخص معنى هذا الفقد أن الرزية ليست فقد مالٍ ولا متاعٍ ولا دنيا زائلة، وإنما الرزية الحقة في غياب الرجال الكبار الذين إذا رحلوا افتقد الناس بموتهم خُلُقًا كثيرًا، ومعاني عظيمة كانت تسند القلوب وتحيي الأمل.

وفي الختام، فإن عزاءنا أن ذكرك لن يرحل، واسمك لن يغيب، وإن ذهبت إلى ربٍ رحيم؛ فقد تركت أثرًا لا يموت، ومحبةً صادقة في قلوب من عرفوك وعاشروك

(يا صاحب الشعر الأبيض، والقلب الأبيض، والأعمال البيضاء).

وخالص العزاء والمواساة لأبنائه وإخوانه، ولجميع أهله ومحبيه، ومن عرفه وزامله وصادقه.

ونسأل الله تعالى أن يجعل ما أصابه رفعةً له في الدرجات العُلا، وتكفيرًا للسيئات، وأن يغسله بالماء والثلج والبرد، وأن ينقيه من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجمعنا به ووالدينا وأحبابنا في جنات النعيم.

إنا لله وإنا إليه راجعون

بقلم: صديقك / عقيل محمد الشيخي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى