المقالات

أبوظبي: بين وهم النفوذ وفشل التحالفات

لم تعد تحركات ابوظبي في المنطقة تُقرأ بوصفها سياسة خارجية نشطة، بقدر ما باتت تُفهم على نطاق واسع باعتبارها محاولات ارتباك للهروب من عزلة سياسية متنامية، صنعتها أبو ظبي بيدها، عبر سنوات من التدخلات غير المحسوبة، والرهانات الخاطئة، والعبث بأمن دول عربية وأفريقية دون تفويض أو غطاء شرعي. فمن اليمن، حيث أُخرجت قواتها عملياً من المشهد العسكري، إلى ليبيا والسودان والصومال، حيث تحوّل التدخل إلى عبء سياسي وأخلاقي، وصولاً إلى توتر العلاقة مع المملكة، الدولة المحورية في الإقليم، وجدت أبوظبي نفسها أمام واقع جديد: انكماش في النفوذ، وتراجع في القبول، وتآكل في الثقة، حتى لدى شركاء الأمس.

في هذا السياق، جاءت الزيارة الأخيرة إلى الهند، لا كخطوة استراتيجية مدروسة، بل كمحاولة استعجالية لخلق مظلة خارج الإقليم تعوّض الخسارة داخله. غير أن الحسابات اصطدمت بجدار صلب: الدول الكبرى لا تنقذ أنظمة مأزومة، ولا تتحالف مع سياسات مثقلة بالأزمات، ولا تمنح غطاءً أمنياً لدول أصبحت محل تساؤل في محيطها الإقليمي. فالهند، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية عميقة مع السعودية، وتملك مصالح حيوية مع العالم العربي والإسلامي، لم تكن مستعدة للمغامرة بعلاقاتها الواسعة من أجل حكومة تعيش أزمة ثقة حقيقية. وأي تحالف دفاعي مع أبوظبي في هذا التوقيت كان سيُفهم بوصفه اصطفافاً في صراع إقليمي معقّد، وهو ما لا يخدم المصالح الهندية، بل يهددها. وهنا تكمن المفارقة الأهم: إن طلب التحالف الدفاعي، إن طُرح، جاء في أسوأ توقيت، ومن أضعف موقع. فالدول لا توقّع اتفاقيات دفاع مشترك مع أطراف مهددة سياسياً، أو معزولة إقليمياً، أو متهمة بتقويض الاستقرار في أكثر من ساحة. ولهذا، لم يكن مستغرباً أن ينتهي الأمر بالاكتفاء بما يُسمّى (خطاب نوايا) غير ملزم، لا يرقى إلى مستوى التحالف، ولا يغيّر من موازين القوة، ولا يُقدّم ضمانات سياسية أو أمنية حقيقية.

حتى وإن حاولت حكومة أبو ظبي وإعلامها إيهام أنفسهم والرأي العام بأن ما جرى يمثل اتفاقيات دفاع مشترك، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن ما تم توقيعه لا يعدو كونه (خطاب نوايا حسنة) غير ملزم، ولا يرقى بأي حال إلى مستوى الدفاع المشترك الذي تُبنى عليه التحالفات الاستراتيجية. بل إن الشك يظل قائماً، وبقوة، في جدوى هذا الخطاب نفسه، لأن أحد طرفيه أثبت بالتجربة أنه لا يجيد إدارة النوايا الحسنة، ولا يحسن العمل بها، إذ غلب على سلوكه الإقليمي نهج النوايا السيئة، والتدخل، وزعزعة الاستقرار، وهو ما يفرغ أي اتفاق من مضمونه الحقيقي. المشكلة الجوهرية التي تواجهها أبوظبي اليوم ليست في عدد اتفاقياتها، ولا في حجم استثماراتها، بل في فلسفة سياستها الخارجية ذاتها. فالدولة التي تتدخل في شؤون الآخرين، وتدعم أطرافاً مسلحة، وتعمل خارج الأطر العربية، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تطلب مظلة حماية دولية أو تحالفات استراتيجية مستقرة. والأخطر من ذلك، أن الرهان على التحالف مع إسرائيل أثبت فشله، ليس فقط لحساسية الشارع العربي والإسلامي، بل لأن إسرائيل غير قادرة ولا راغبة في تحمّل تبعات سياسات إقليمية قد تتحول إلى عبء دولي.

ما تعيشه أبوظبي اليوم ليس أزمة علاقات عامة، ولا نقصاً في التسويق السياسي، بل أزمة ثقة عميقة، لا تُحل بتضخيم الإنجازات، ولا بتوقيع اتفاقيات شكلية، ولا بالهروب إلى تحالفات بعيدة. فالتحالفات لا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُبنى في لحظات الضعف. الطريق الوحيد للخروج من هذه العزلة يبدأ بوقف التدخلات، واحترام سيادة الدول، والعودة إلى الصف العربي، والتخلي عن وهم لعب أدوار أكبر من الحجم الحقيقي. وما لم يحدث ذلك، ستظل كل محاولات أبو ظبي لبناء تحالفات جديدة مجرد دوران في حلقة مفرغة، سياسة بلا عمق، ونفوذ بلا شرعية، وتحالفات بلا حلفاء.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى