المقالات

السعودية بعيون إماراتية: دروس لا يخطئها التاريخ ولا يغفلها الحاضر!!

حين يُقرأ التاريخ بعيون نافذة، لا يعد مجرد سرد للأحداث، بل مرآة تكشف سنناً لا تكذب وحقائق لا تُمحى مهما تغيّرت الأزمنة. هذا ما يقدمه لنا الأديب والمؤرخ الإماراتي عبدالله بن صالح المطوع (1874–1958)، المولود في الشارقة، أحد أبرز الباحثين في تاريخ الجزيرة العربية وأنسابها وتحولاتها السياسية. ومن أبرز أعماله التاريخية *كتابه: عقود الجمان في أيام آل سعود في عمان*، الذي يوثق العلاقة بين الدولة السعودية وسلطنة عمان في فترات حرجة من أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين، مستعرضاً تحولات السلطة والنفوذ ومواقف القبائل والحكام، ومحللاً أنماط الصعود والسقوط التي شكلت حاضر الخليج. هذا العمل لا يقتصر على سرد الوقائع، بل يكشف عن «سنن التاريخ» المتكررة، ليقدّم دروساً تتجاوز مجرد التوثيق، ويظهر كيف أن بناء الدولة على الشرعية والوفاء بالعهود يكون ضماناً للبقاء والنجاح.
*ويقول المطوع عن مسار آل سعود التاريخي: (وقد جرت سنّة الله في آل سعود في قديم الزمان وحديثه حتى يومنا هذا، أن كل من ناوأهم وكان باغياً عليهم أو جاحداً إحسانهم، خُذِلَ وعوقِبَ وأفتضح أمره، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ذلك، لو أُحصيت لبلغت مجلدات، ولا حاجة إلى التنبيه إليها).* هذا الحديث دوَّنه المطوع في خمسينيات القرن الماضي، وما زالت الأحداث اللاحقة تؤكد صحته، لتثبت أن التاريخ لا يكذب من يختار الوفاء والالتزام. فالخصومة المبنية على البغي والجحود تحمل بذور سقوطها، بينما المشاريع المبنية على الشرعية والوفاء تظل صامدة، تثبت مكانتها، وتطيل عمرها السياسي.
فالوقائع التاريخية تثبت ذلك بوضوح. شهدت الدولة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر صراعات كبيرة مع العثمانيين والقبائل المناوئة، لكنها استطاعت تأسيس حكم متماسك في نجد ثم التوسع إلى الحجاز وأجزاء من شرق الجزيرة. وعندما انهارت الدولة الأولى نتيجة التدخلات الخارجية، ظهرت الدولة السعودية الثانية في القرن التاسع عشر، لتعيد التأكيد أن المشروع السياسي المبني على الشرعية والوفاء قادر على العودة رغم الانكسارات المؤقتة. ومع قيام الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، تجسدت سنن المطوع عملياً. فقد تمكن الملك عبدالعزيز من توحيد نجد والحجاز والسيطرة على المناطق الشرقية والجنوبية، مستخدماً مزيجاً من القوة العسكرية والحكمة السياسية، مع الحفاظ على العهود والمواثيق مع القبائل والقيادات المحلية. وحققت الدولة السعودية انتصارات بارزة على القوات العثمانية وحلفائهم، أبرزها فتح الرياض عام 1902 ومعركة الأحساء عام 1913 التي أنهت الوجود العثماني في المنطقة، مؤسِّسة لمرحلة جديدة من الوحدة والسيادة في الجزيرة العربية.
ولم يقتصر دور المملكة العربية السعودية على إطارها الجغرافي، بل امتد إلى محيطها العربي والإسلامي والدولي، انطلاقاً من مسؤوليتها ومكانتها. فقد دعمت المملكة الشعب الفلسطيني سياسياً ومالياً ودبلوماسياً منذ عقود، في إطار التزامها بالموقف العربي والإسلامي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني. كما كان لها دور محوري خلال أزمة احتلال دولة الكويت عام 1991، حيث شاركت في الجهود العربية والدولية الهادفة إلى استعادة الشرعية. وتعاملت المملكة مع تطورات الأوضاع في مملكة البحرين بما يحفظ أمن الخليج واستقراره. وفي الوقت الراهن، تواصل المملكة جهودها السياسية والإنسانية الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في كل من اليمن وسوريا والسودان وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية، والمساهمة في تهيئة الظروف للحلول السياسية، بما ينسجم مع نهجها الثابت في دعم استقرار المنطقة.
وعند إسقاط هذا المنطق على الحالة الخليجية الراهنة، يصبح الدرس عملياً وواضحاً. فالمنطقة لا تعيش صراع نفوذ فحسب، بل اختباراً حقيقياً بين مشروع يبني على التعاون والشرعية، وآخر يراهن على الإضعاف والعبث. وما يبدو مكسباً آنياً في هذا المسار، سرعان ما يتبدد أمام تآكل الثقة وسقوط المصداقية، بينما المشاريع المبنية على منطق الدولة والوفاء تظل صامدة، صانعة للاعتبار ومستقرة رغم التحديات. وهكذا، لا يعتبر قول المطوع مجرد شهادة مؤرخ، بل قانوناً تاريخياً متكرراً. ففي الخليج، كما في كل مراحل التاريخ، لا ينتصر من يرفع صوته أكثر، بل من يثبت على مبدئه أطول. ولا يبقى من يراهن على الفوضى، بل من اختار منطق الدولة والوفاء. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا يخطئ بوصلته.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى