المقالات

هل أنكر حمد الجاسر “علم الأنساب”

لم يعلم حمد الجاسر رحمه الله وهو من روّاد أنساب وتاريخ الجزيرة العربية في العصر الحديث أن هناك من سيأتون بعد موته ويسلبون منه ما أفنى عمره فيه ! ، ويقوّلونه ما لم يقله عن (علم الأنساب) ؛ فقد سمعت من عوام قولهم : “حمد الجاسر لا يعترف بعلم الأنساب” ! ؛ وذلك بسبب ما ورد عن الإعلامي نجم عبدالكريم في كتابه (شخصيات عرفتها وحاورتها) عن الجاسر في حواره معه ، والذي أجراه معه قبل ربع قرن من طباعة الكتاب ، أي في عام ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م ، والذي نقل فيه نجم عن الجاسر قوله :
” علم الأنساب عند العرب لا يقوم على أساس علمي ثابت ، إنما على أشياء متوارثة متناقلة. وإذا بعض الباحثين يقول عن التاريخ أنه خرافة ، فالأنساب هي خرافة الخرافات ، وهذا ما وصلت إليه … ”
والناس في فهمهم لهذه العبارة ليسوا بسواء ، فصنف من عوام الناس طار بها فرحاً وكأنه قد أزاح عن صدره جبل ، فراح يستثمر هذه العبارة ويعيد إنتاجها في تدوير معرفي مشوّه ممجوج ، بل مغيّر للحقائق : فاستشهد بهذه العبارة عن الجاسر لما يذهب إليه هذا المستشهد من تبني للطوطمية في الأنساب وبأن الأنساب العربية لا تقوم على أب واحد في أصلها وبأنها مجموعات اصطنعت اسم ما ، سواء كان حجر أو شجر أو حيوان أو امرأة أو صنم ونحو ذلك ، وارتضته بمثابة النسب لها ، إلى آخر ما في هذه الكذبة الاستشراقية على أنساب العرب ، وهذا الصنف من الناس قد يعذرون لجهلهم بالتاريخ والأنساب العربية ، وقد لا يعذرون لا سيما إن تتبعوا شواذ النصوص من ذات الحقل ثم أعادوا تدويرها لتتسق مع فهمهم السقيم لعبارة الجاسر ، وهؤلاء فيما عرفت لا همّ لهم إلا الظهور ولو على حساب تاريخهم وأنسابهم ، وهم في هذا لا يذكّروننا إلا بما أثر عن ذاك الأعرابي الذي تبوّل في بئر زمزم فضربوه الناس وأتوا به للأمير فسأله عن سبب فعله؟ فعلل ذلك الفعل ليشتهر بين الناس !!

والصنف الثاني هم من أهل القراءات في هذا الحقل ، أو التأليف فيه ، وهؤلاء قد انقسموا بين ناقد محلل حصيف عرف مقصد الجاسر وقرأ ما بين السطور ، وقارن بين كلامه قبل وبعد ، وعلل بما وجد من انتاج فكري غزير لدى الجاسر في حقل الأنساب ، وخرج بالنتيجة النقدية العلمية لمعنى عبارته تلك ، و بين من اخذ هذه العبارة بجمود معرفي دون إعمال للمنهج النقدي فدخل في صدمة من قول الجاسر !

عند التمعن في كلام حمد الجاسر نجد أنه جاء تعليقاً على شكل عصف ذهني حول قضية كانت قد ظهرت على الساحة الثقافية حينها ، وأصبح لها صوت في الصوالين وأعمدة الصحافة من كثير من النهضويين في شتى النطاقات الثقافية العربية ، وهي : ” أن التاريخ جملة وتفصيلاً هو خرافة من الخرافات وأن الدارس أو المهتم بالتاريخ هو جامد ضد التطور ” ، لذلك نجد كلام الجاسر فيه قوله : ” إذا بعض الباحثين يقول عن التاريخ أنه خرافة ” ، وهذا ما يؤكد أن كلامه لا يحتمل أكثر من المحاججة العقلية لهولاء الذين يرفضون التاريخ بدعوى رفض الجمود الذي اتهموا به حقل دراسة التاريخ .

وعند النظر في الإنتاج الفكري النَّسَبِي للشيخ حمد الجاسر فيما بعد تاريخ هذا التصريح وهو تاريخ اللقاء مع نجم عبدالكريم ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م لا نجد أن الجاسر توقف عن دراسة علم الأنساب ، وتوثيق أنساب قبائل المملكة العربية السعودية ، بل نجد له ثناء على (علم الأنساب) ، وعلى قبائل الجزيرة التي حافظت بشكل ملحوظ على أنسابها ، ومن ذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر ما نجده في كتابه (باهلة القبيلة المفترى عليها) والذي كانت الطبعة الأولى منه عام ١٤١٠هـ أي بعد ثلاث أعوام من تاريخ تصريحه لنجم عبدالكريم الذي كان في ١٤٠٧هـ ، نجد في هذا الكتاب ما يؤكد أن تصريح الجاسر السابق هو على سبيل المحاجّة لأولئك الذين يتهمون كل من يهتم بالحقل التاريخيّ بتهمة الجمود والتآمر على النهضة ، يقول الجاسر بكتابه الآنف الذكر:
” مالذي ينقم الناقمون ممن يتجه إلى دراسة تاريخ تلك الأمة ومحاولة إبراز الجوانب التي تجدّد في نفوس الخَلَف الذكريات العطرة من أمجاد السَّلَف … مالمانع من التعمق في الدراسة والبحث لمعرفة مكامن الخير للعرب في جاهليتهم … وأيّ ضير أو ضرر من دراسة ما بين تلك الفروع من وشجائج القربى … ” .

وعن أهمية (علم الأنساب) نجده يقول ايضاً بذات الكتاب :
” لقد كان -ولا يزال- من أهم ما اتجه إليه حينما أتحدث عن الأنساب البحث عن الوسائل التي تقوّي ما بين القبائل العربية من روابط ، ومحاولة إثبات أمر لا يختلف فيه من عُنِي بالبحث في علم الأنساب ، وهو أن جميع سكان هذه الجزيرة تقوم أنسابهم على درجة من الصحة والصراحة ، تعدّ هي الأساس عند البحث في نسب أي قبيلة ، إذا هذه البلاد هي مهد العرب منذ أن عرف لهم تاريخ ، ولو فرض أن قبيلةً في هذه الجزيرة أصبحت مجهولة النسب الآن ، فليس معنى هذا أنها ليست عربية ذات أصل صحيح ، فالقاعدة ثبوت ذلك الأصل ، وأن ما طرأ هو الجهل به ، والجهل لا يصح أن يتخذ أساساً لإثبات الحقائق … “

وقال ايضاً :
” الكيان القَبَلِي يقوم -أول ما يقوم- من تكاثر بطون القبيلة وأفخاذها ، ومن عمق ارتباطها بأصلها ، الذي يربطها بقبائل أخرى … ولعل من أوثق وأشمل من ألف عن أنساب العرب في عصورهم القديمة محمد بن السائب الكلبي ، ثم ابنه هشام الذي ورث علم أبيه ، وأضاف إليه ، ودوّنه وجمعه في مؤلفات وصل إلينا بعضها في تلك الأصول من المؤلفات التي دونها ، وبعضها بطريق رواة عاصروها فنقلوها عنه ورووها … “.

فهل يعقل أن ما سبق هو كلام إنسان يقول عن (علم الأنساب) أنه خرافة ؟! ، الجواب : لا .

هل هذا تراجع من حمد الجاسر عن ذلك التصريح السابق عند من فهمه بشكل خاطئ ؟ أم شرح له ؟ أم هو تأكيد على أهمية (علم الأنساب) وبأنه ليس خرافة ؟ ، الجواب : جميع ما سبق ! ، ومن العته الفكري الثقافي أن يتم الإصرار على تقويل الشيخ حمد الجاسر بما لم يقله ، بل وإعادة تدوير هذا التصريح الذي جاء بَعْده انتاج فكري للجاسر حول أهمية علم الأنساب على شكل مؤلفات ومحاضرات وندوات ، فإليكم عن الجاسر فهو لم يكن مصاب في عقله حتى يقول عن (علم الأنساب) أنه خرافة ثم يواصل دراسة وتوثيق أنساب الجزيرة العربية في مختلف حقبها الزمنية المختلفة ! ، وما تتشدقون به حول هذا الموضوع ما هو إلا اختطاف صارخ وبغيض لسيرة ومسيرة الشيخ حمد الجاسر لتأطيرها بإطار عقدكم النَّسَبِيَّة عبر إعادة تدوير كلام الجاسر بعد تحويره ثم إخراجه عن سياقه ليعالج عقدكم تلك !!

عبدالهادي حربي الزهراني

أكاديمي في الإعلام وباحث في الأنساب والتاريخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى