المقالات

السر خلف ديمومة الصداقات: استثمار متبادل ومسؤولية مشتركة

استغرب كثيرًا من مجتمعاتنا كيف أن الوعي بأهمية الاستثمار في العلاقات الأسرية والعاطفية عالي جدًا؛

فنجد عشرات الكتب ومقاطع التواصل الاجتماعي المتداولة، من نوع: كيف تفهم شريكك؟ كيف تتعاملين مع أبنائك وتكونين قدوة؟ وغيرها الكثير.

لكن في المقابل، نادرًا ما نجد حديثًا صريحًا عن الصداقة بوصفها علاقة تحتاج وعيًا وجهدًا واستمرارية.

من المؤسف انها غالبًا ما تترك للوقت والتفرغ، وكانها شيء يفترض ان ينجح وحده دون رعاية! وكأنها ليست هي ايضًا نوع اخر من العلاقات الإنسانية.

يُقال ان ما يصاغ تعريفه بوضوحه، يكون اقل عرضةً للتقصير والإهمال.

لذا ساشارك معك عزيزي القارئ، عمن هو الصديق.

هو الذي يدعم ويساند

ينصح ويوجه ولا يرتضي عليك طريق الخطأ ابدًا

يتواجد في المحافل

ويطمئن عند المرض

يقف الى جانبك في العزاء والانكسارات

يفعل كل هذا، ما استطاع الى ذلك سبيلًا.

كم هو نبيل، دور الصديق!

صديق، من الصدق

يصدق في حضوره معك

تقول العرب:

(الصديق مرآة صديقه)

(الصديق من صدقك لا صدقّك)

(سلامٌ على الدنيا ان لم يكن بها صديقًا صدوقًا صادق الوعد منصفا)

واضيف ايضًا ان الصداقة تحتاج إلى صبرٍ وجهد، وإلى طرفين متعاونين

فالعلاقات بطبيعتها ثنائية؛ لا تستمر بإرادة طرفٍ واحد،

بل تحتاج (اثنين) يحرصان عليها ويشعران بالمسؤولية تجاه ادوارهمها فيها.

الا انه من المؤسف ان كثيرًا من الصداقات في زمننا هذا لا تنتهي بخلاف او مشكلة واضحة.

بل تتلاشى فجأة! من دون ان نلحظ حتى.

وهذا لان مانتركه للظروف والتفرًغ ينتهي سريعًا.

لان الحياة (مشاغل) فعلًا!

ولا يجدر بهذا القول ان يكون حجة نتحجج بها لاهمال ادوارنا، بل على العكس، ينبغي ان يكون دافع كبير لحمايتها.

لحماية هذه الصداقة، وسط (دنيا الانشغال) هذه.

هل سبق أن انتهت بعض صداقاتك بانتهاء مرحلة معينة؟

أو ضعفت لأنك توقفت عن المبادرة والسؤال؟

ربما يكون السبب خلف هذا هو غياب الوعي بان الصداقة هي ايضًا علاقة إنسانية! (كغيرها) من العلاقات تحتاج جهدُا مقصودًا ومتبادلًأ.

فانا أؤمن أن كل العلاقات في الحياة تشبه النبتة؛

كلما كنت واعيًا بدورك فيها، وسقيتها اهتمامًا و تقديرًا، كلما استمرت وطالت.

تدوم لك علاقاتك بقدر ماتعتني بها، وبقدر ماتكون هذه العناية من الطرفين.

الروابط البشرية بكل أنواعها لا يًجدر بها ان تترك للصدفة او التفرغ،

بل تحتاج مسؤولية مشتركة

التقدرير و الحضور هما الطريق الى ديمومتها.

وعندما نتحدث عن الحضور في الصداقة،

لا نقصد الحضور المطلق او التواصل اليومي!

 

بل حسب الاستطاعة مع السعي قدر الإمكان، وعيًا بدورك كصديق في هذه العلاقة!

يحضرني مثال جميل عن علاقتي بصديقتي (امجاد) المستمرة منذ سبع سنوات بنفس الدفء والقرب لانها علاقة التزام وحضور متبادل.

ولان تمسكنا بادوارنا داخل هذه الصداقة كان متشابهًا دائمًا؛ مرة انا، و مرة هي.

كنا حاضرين لبعضنا بفعل، هدية، او حتى بكلمة؛ في:

أعياد الميلاد

التخرج

التحديات الجديدة

الافراح ودعم النجاحات

الازمات الصحية

الانكسارات

والعزاء

وحتى في الأيام العادية..

من حين لاخر كل 4-6 اشهر: (وحشتيني، ابغى اقابلك!)

قبل ابتعاث امجاد لاكمال دراساتها العليا في لندن، حاولت كثيرًا ترتيب لقاء بيننا، لكن بالنسبة لها تلك الفترة كانت تحمل أولويات مختلفة من استعداد للسفر و توديع للاهل. فرغمًا من رغبتي الشديدة في وداعها آنذاك، الا انني لم اعاتبها لانني كنت مدركة لضيق الوقت وللتوتر الذي شعرت به.

فالتفهم هنا، هو مايجمل الصداقات ويمنحها خفة مع الالتزام والمسؤولية التي يحافظ عليها الطرفان.

فاجئتني امجاد امس برسالتها: (امتنان انا رجعت جدة وابغى اشوفك)

التقينا وهي مرهقة ومتعبة ولم تنم الا بضع ساعات.. في اول يوم من عودتها للوطن بعد غربة طويلة عن الاهل.

عرفت حينها، اني كنت ضمن قائمة أولوياتها هذه المرة.

واليوم، تاملت سبب استمرار هذه الصداقة بنفس اللهفة والقرب..

رغم مشاغل الحياة، افتراق الطرق، وقلة التواصل..

وتوصلت الى ان السر كان:

النية

الحضور

و المسؤولية المتبادلة

ولا مرة في حياتنا، انا و امجاد، نظرنا الى علاقتنا كانها امر مسلم به او بديهي!

لطالما كنا على وعي تام نحن الاثنان باننا ان لم نتخذ خطوات مقصودة لحمايتها؛ فستذبل وتختفي تمامًا، كالنبتة التي نهملها ونتركها للايام، ظانين انها ستبقى موجودة متى ماسنحت لنا فرصة الالتفات اليها.

ببساطة نحن لم نترك مسؤولية علاقتنا لمفهوم مؤجل اسمه “حين تسنح لنا الفرصة”!

ومن هذا المنطلق، ادعوك ان تتوقف للحظة وتسأل نفسك..

متى اخر مرة استثمرت فيها بصداقاتك ولم تتركها للايام والتفرغ؟

اؤمن ان الانسان هو معجزة الله الاغلى في ارضه، واهم مايُستثمر به.

مهتمة بالتطوير والتمكين الشخصي، أشارك تجاربي وافكاري لالهام الاخرين لبناء علاقات مستدامة TOT مدربة

صدر لي مذكرات الامتنان (دار ريادة للنشر)

مؤسسة لفريق #سواء التطوعي، ناشطة في الخدمة المجتمعية وداعمة للاثر في جمعية الشباب السعودي للاستدامة

اخصائية علاج وظيفي في مستشفى القوات المسلحة بجدة

طالبة دراسات عليا – كلية الأمير محمد بن سلمان

والاهم من كل هذه التعاريف،

اني مجرد انسان بسيط لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا، الا انه يتعلم في كل يوم؛ شيءً جديدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى