في البدء لم تكن المشكلة في ضعف الإنسان، بل في جرأته،
حين عُرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها، لم يكن امتناعهن جبنًا، بل فقهًا بوزنها، أما الإنسان فحملها… لا لأنه أهلٌ لها، بل لأنه لم يُدرك ثقلها ، فكان ظلومًا جهولًا.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان مجرد ساكنٍ في المكان، بل صار صانعًا لصورته ، فالجمادات، وإن صمتت، تتشكّل بأخلاق من يمرّ بها؛ يكسوها الإنسان عزةً إن كان أمينًا، ويمنحها قوةً إن كان صادقًا، ويجعلها رمزًا إن حمل المسؤولية كما ينبغي ، وقد يكسوها في المقابل ذلًّا ومهانة إن جعل الغش حيلة، والخداع مهارة، والانتهازية ذكاءً.
هكذا تصبح الجبال مرايا، لا أحجارًا.
“جبل طويق” لم يقف شامخًا لأن الصخر أقسى، بل لأن الإنسان حوله كان أصلب قيمةً ، وأوضح اتجاهًا ، لم تُفرَض عليه العَظَمَة، بل انعكست عليه ، صمتُه ليس فراغًا، بل امتلاءً ، وثباته ليس عنادًا، بل وفاءً لفكرة أن القوة لا تحتاج إلى تزييف.
في طويق لم يُستعمل المكان ليُلمّع الإنسان، بل ارتقى الإنسان فارتقى معه المكان، فصار الجبل رمزًا للوحدة حين تكون صادقة ، وللقوة حين تكون مسؤولة، وللنزاهة حين لا تحتاج إلى إعلان.
وعلى الطرف الآخر من المعنى، يقف جبل “علي” محمّلًا بما ليس من طبيعته.
ارتفاعٌ يلمع أكثر مما يثبت، وشهرة تسبق الحقيقة، وصورة مصقولة تخفي خلفها ممارسة لا تُحسن الوقوف في ضوء الأمانة ، هنا لم ينعكس على الجبل صدق الإنسان، بل حيلته؛ فصار العلو خدعة، والريادة ادّعاء، والنجاح رقمًا بلا أخلاق.
الإنسان لم يشرف المكان، بل استنزفه، فارتدّ ذلك غشًا مغلفًا ، وخداعًا متقنًا.
المفارقة أن الجبلين من تراب واحد، لكن الفارق لم تصنعه الطبيعة، بل الأخلاق ، فالجبال لم تخن الأمانة، ولم تساوم عليها، ولم تدخلها في مزاد المصالح.
الإنسان هو من فعل، ثم ظنّ أن الارتفاع يعفيه من الحساب.
وفي زمن اختلطت فيه القمم والهمم العالية باللافتات والشعارات الجوفاء ، وبات اللمعان بديلًا عن الصلابة، تعود الجبال لتؤدي دورها القديم: الشهادة.. فإما أن تقف شاهدًا على عزة من مرّ بها، أو شاهدًا على سقوطٍ أخلاقي حاول أصحابه أن يختبئوا خلف الارتفاع.
ليس السؤال: أي الجبال أعلى؟
بل: أيّ إنسان مرّ من هنا، وماذا ترك خلفه؟
وهكذا، بين جبلٍ صعدت به القيم، وآخر أسقطته الحيل، تبقى الأمانة هي الفارق الحقيقي بين الارتفاع والسقوط. وحين تُحمَل القيم بصدق، لا تعود الجبال مجرد صخر، بل تصير شعوبًا وهويةً ومستقبلًا…
وختاماً : فكم هو جميل أن ندرك أبعاد ما سبق من خلال قول صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وهو يثني على شعبه الوفي رمز الوحدة والشجاعة والوفاء :
“هِمَّةُ السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر”.
0





