في سباق الحياة العنيف، حيث تتسارع المتطلبات المادية وتتضخم هواجس المستقبل، نجد الأبوين والمربين في حالة استنفار دائم لتأمين مستقبل أبنائهم. غالباً ما تُختزل مهمة “تأمين المستقبل” في ضمان الشهادات العليا، والوظائف المرموقة، وتأمين الأرصدة المالية، وكأن قيمة الإنسان ومقومات نجاحه تُقاس حصرياً بحجم محفظته. وفي خضم هذا الاندفاع نحو تأمين الأرزاق، يغيب السؤال الأهم: ماذا عن تأمين الأخلاق؟
إن المعادلة الحقيقية لنجاح الجيل القادم لا تقوم على تأمين موارده المادية، بل على تحصين شخصيته وقيمه، لأن الأخلاق هي رأس المال الباقي، وأما الرزق فهو بيد الرازقجل وعلا الذي وعد بضمان الرزق في حال التقوى. في قوله تعالى: ” ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.”
فلا شك أن الأخلاق والقيم هما الركيزة الثابتة في عالم متقلب. فإن العيش في عالم يزداد تعقيداً وتقلبّاً يتطلب أكثر من مجرد مهارات تقنية أو شهادات ورقية؛ إنه يتطلب عُمقاً في القيم ومرونة في التعامل مع التحديات. عندما يُنشّأ الطفل على الصدق والأمانة وتحمل المسؤولية والتعاطف، فإنه يُزوّد بأدوات لا تُقدّر بثمن، تتفوق في قيمتها على أي وظيفة أو ثروة. فالكفاءة المجرّدة من الوازع الأخلاقي قد تتحول إلى معول هدم، بينما يصبح صاحب المبدأ الأخلاقي قوة بناء وإصلاح.
إن تأمين الأخلاق يعني غرس “الضمير” الذي لا ينام، والذي يوجه الابناء نحو الحلال ويمنعه من الحرام، ويجعله نافعاً لمجتمعه لا عبئاً عليه. هذا الضمان الأخلاقي هو ما يُكوّن شخصية قوية قادرة على تجاوز الانتكاسات، واتخاذ القرارات الصعبة بوعي ومسؤولية، وهي الصفات التي لا يمكن لأي ثروة أن تشتريها. إن الأرزاق زائلة ومتقلبة، أما القيمة الأخلاقية فهي التي تُبقي للإنسان أثراً كريماً.
وهنا يأتي دور الوالدين والمربين في استثمار في القيمة لا في السعر و يقع على عاتق الوالدين والمربين مهمة استثمارية تفوق في أهميتها الاستثمار المالي؛ وهي الاستثمار في القيمة الأخلاقية للنشء. يتطلب هذا الدور تحوّلاً في الأولويات وفي الأسلوب المتبع: فمثلا توافر القدوة العملية فيجب أن يدرك المربي أن الأخلاق لا تُلقّن، بل تُعاش وتُشاهد. فالطفل يقلّد سلوك والديه في التعامل مع الضغوط، في الصدق مع الآخرين، وفي الالتزام بالمبادئ. القدوات الحسنة في المنزل هي خط الدفاع الأول عن المنظومة الأخلاقية للجيل.كذلك بناء الوازع الذاتي حيث ينبغي للمربي أن ينتقل من مرحلة “الوصاية” إلى مرحلة “الاستقلالية الأخلاقية”. وهذا يتم عبر الحوار الهادئ الذي يشرح “لماذا” هذا السلوك صحيح وذاك خاطئ، بدلاً من الاكتفاء بالأمر والنهي. لذا فمن المهم بناء قناعات داخلية راسخة تجعل الطفل يختار الصواب حتى في غياب الرقيب هو جوهر التأمين الأخلاقي. و غرس المسؤولية والجهد: من الضروري تعليم الأبناء قيمة الجهد والعمل والاعتماد على الذات، بدلاً من توفير كل شيء لهم. فالمجاهدة في طلب المعرفة وكسب الرزق بشرف هي جزء لا يتجزأ من الأخلاق.
لذا فإن تأمين المستقبل الحقيقي للجيل القادم الذي نأمل في نجاحه هو الجيل الذي سيحمل على عاتقه مسؤولية نهضة الأمة. هذا النجاح لا يتحقق بوجود مهندس غني ولكنه فاسد، ولا بطبيب ماهر ولكنه لا يرحم. النجاح الحقيقي يحتاج إلى مهندس أمين، وطبيب رحيم، ومواطن صالح. لذا، يجب أن تتضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع لإعادة ضبط البوصلة التربوية.
ختاماً لنُعلّم أبناءنا أن النجاح ليس فقط في كم يمتلكون، بل في كم يُعطون، وفي كم من القيم والمبادئ يحملون. وعندما يخرج النشء إلى الحياة مسلحاً بالأخلاق، فإن الأرزاق ستأتيه بأمر الله، وستكون مباركة ومُستخدمة في الخير، لأنهم أثبتوا أنهم يستحقون ثقة الله في رزقه، ويستحقون ثقة المجتمع في قيادته. إن تأمين الأخلاق هو الرهان على مستقبل تشرق فيه شمس القيم قبل شمس الثروات.
• جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل






