في عصر العولمة والتطور التكنولوجي، أصبح إعمار الأرض وتنميتها مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الدول والمجتمعات. فالعالم اليوم يشهد تحولات جذرية في المجالات الاقتصادية، البيئية، والاجتماعية، مما يستدعي تعاوناً دولياً شاملاً لتحقيق التنمية المستدامة وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. إن مفهوم “العالم شريك في إعمار الأرض” يبرز روح التكامل والتضامن بين الدول والشعوب، حيث تتضافر الجهود للاستفادة من الموارد المتاحة والتقنيات الحديثة، مع احترام التنوع الثقافي والبيئي. من هذا المنطلق، نحتاج إلى رؤية استراتيجية شاملة تستند إلى المقومات العالمية الحالية والمستقبلية من منظور استراتيجي، لتوجيه مسارات التنمية بما يخدم البشرية جمعاء.
تتعدد المقومات العالمية التي تشكل قاعدة صلبة لإعمار الأرض بشكل مستدام، ونصنفها في مقالنا هذا إلى عدة محاور رئيسية، وهي كالتالي:
المحور الأول، المقومات التكنولوجية:
يشكل التطور التكنولوجي، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، والابتكارات البيئية، ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة. فالتقنيات الحديثة تتيح تحسين إدارة الموارد الطبيعية، تقليل الانبعاثات الكربونية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية والصناعية بطرق صديقة للبيئة. على سبيل المثال، مشروع “نيوم” في المملكة يستخدم الطاقة الشمسية والرياح لتحقيق نمو مستدام ضمن رؤية 2030. كما أن تطبيق تقنيات “المدن الذكية” في مسقط يعزز من كفاءة إدارة المرافق العامة وتحسين جودة الحياة.
المحور الثاني، المقومات الاقتصادية:
يشكل التعاون الاقتصادي الدولي من خلال الاتفاقيات التجارية، الاستثمارات المشتركة، وتمويل المشاريع التنموية، عاملاً مهماً في تعزيز القدرة على إعمار الأرض. كما أن الاقتصاد الدائري واعتماد نماذج مستدامة في الإنتاج والاستهلاك يفتحان آفاقاً جديدة لتحقيق نمو اقتصادي متوازن. على سبيل المثال، المملكة أطلقت برنامج “صندوق الاستثمارات العامة” لتعزيز الاستثمارات المحلية والعالمية ضمن رؤية 2030. كذلك، تساهم اتفاقية “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” (RCEP) في تعزيز التبادل التجاري والاقتصادي بين دول آسيا والمحيط الهادي.
المحور الثالث، المقومات الاجتماعية والثقافية:
لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون إشراك المجتمعات المحلية وتمكينها ثقافياً واجتماعياً. فالتنوع الثقافي يشكل ثروة إنسانية تساهم في تبادل الخبرات والمعارف، وتعزيز روح التعاون والتفاهم بين الشعوب. على سبيل المثال، برنامج “جودة الحياة” في المملكة يهدف لتحسين جودة الحياة للمواطنين والمقيمين ضمن رؤية 2030. كما أطلقت اليونسكو مبادرة “التعليم من أجل التنمية المستدامة” لتعزيز التعليم المستدام في مختلف أنحاء العالم.
المحور الرابع، المقومات البيئية:
الحفاظ على التنوع البيولوجي، حماية الغابات والمحيطات، وإدارة الموارد المائية بشكل مستدام، هي من الأولويات التي يجب أن تتبناها الاستراتيجيات العالمية. فالتوازن البيئي هو الأساس الذي تقوم عليه صحة الإنسان واستمرارية الحياة على الأرض. على سبيل المثال، أطلقت المملكة العديد من المبادرات لحماية البيئة وتقليل الانبعاثات ضمن رؤية 2030. كما أطلقت الأمم المتحدة مبادرة “الحفاظ على التنوع البيولوجي” لدعم حماية الأنواع المهددة بالانقراض حول العالم.
المحور الخامس، المقومات السياسية والاستراتيجية:
يتطلب إعمار الأرض تضافر الجهود السياسية على المستويات المحلية والدولية، من خلال بناء شراكات قوية، وضع سياسات واضحة تدعم التنمية المستدامة، وتعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية. على سبيل المثال، قامت المملكة بتعزيز التعاون الدولي من خلال استضافة قمة G20 في عام 2020 لدعم التعافي الاقتصادي العالمي. كما أطلقت الأمم المتحدة “أجندة 2030” لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في مختلف أنحاء العالم.
اليوم يحمل المستقبل فرصاً واعدة من خلال استثمار هذه المقومات في إطار رؤية استراتيجية متكاملة، تستفيد من التحولات الرقمية، وتعمل على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة التحديات العالمية مثل التغير المناخي، الفقر، والهجرة.
إن إعمار الأرض ليس غاية وهدف اقتصادي أو بيئي، إنما رسالة ومسؤولية أخلاقية وإنسانية تتطلب تضافر جهود العالم بأسره من منظور استراتيجي. من خلال استثمار المقومات العالمية المتاحة حالياً والمستقبلية، وباتباع رؤية استراتيجية شاملة، يمكننا بناء عالم أكثر استدامة وعدالة. التعاون والشراكة بين الدول والمجتمعات هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف الطموح، حيث يصبح العالم فعلاً شريكاً في إعمار الأرض، لضمان مستقبل مزدهر للأجيال القادمة. كما أن دور الأفراد في تبني سلوكيات مستدامة وتوعية المحيطين بهم يلعب دوراً حاسماً في هذا المسار الحيوي. فعالم اليوم أصبح مترابط ويتطلب أن يكون أكثر تماسك نحو إعمار الأرض فالإنسان جاء إلى هذه الدنيا من أجل إعمار الأرض. إعمار الأرض هو استخلاف الله للإنسان لبناء الكون، تنميته، واستغلال موارده بالزراعة، الصناعة، والبناء. حيث يعد واجباً دينياً وإنسانياً يجمع بين العمل الصالح، العمل المتقن، وخدمة البشرية، وهو مفهوم شامل للإنتاج والإعمار عبر المشاريع التنموية والإنسانية حول العالم.
ندعو جميع الدول والحكومات والمنظمات الدولية والهيئات الإقليمية إلى تعزيز أطر التعاون المشترك والشراكات الاستراتيجية المتينة، التي ترتكز على رؤية شاملة ومتوازنة لإعمار الأرض وتحقيق التنمية المستدامة. يتطلب ذلك تبني نهج تكاملي يدمج بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع التركيز على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة لضمان استدامة الموارد وحماية البيئة للأجيال الحالية والقادمة.
كما ندعو إلى تعزيز تبادل المعرفة والخبرات بين الدول، وتطوير سياسات مشتركة تدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. يجب أن تكون هذه الجهود موجهة لخدمة الشعوب والأوطان، من خلال توفير فرص متكافئة للنمو والازدهار، والارتقاء بمستوى المعيشة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، مع احترام التنوع الثقافي والحضاري.
إن بناء مستقبل واعد يتطلب التزاماً جماعياً ومسؤولية مشتركة لتحقيق التنمية الشاملة، بما يحقق التوازن بين احتياجات الإنسان وضرورة الحفاظ على كوكبنا. لذا، فإننا نؤكد على أهمية العمل المشترك والتضامن الدولي، من أجل وضع أسس قوية لمجتمعات مزدهرة ومستدامة تتسم بالسلام والاستقرار والازدهار الدائم.





